رواية “بين الحبر والهلوسة” لعمر عزون: القلق الوجودي في مواجهة أعطاب الواقع الاجتماعي

58
  • عبد الرحيم دادي التسولي (°)
يباغتنا الكاتب عمر عزون بروايته الجديدة بعد مجموعته القصصية “وهكذا..”، ليأخذنا في رحلة سردية أعمق وأكثر نفسا. يروي السارد إيلان أحداث رواية “بين الحبر والهلوسة” من منظوره الخاص، بدءا من لقائه المفاجئ بمراقب القطار واكتشاف اسمه ورقم تذكرته، مرورا بلقاء ثوسكا، الفتاة التي نشأت في دار رعاية الأطفال المتخلى عنهم، ويبدأ بينهما حوار متداخل بين الواقع والخيال..
تتشابك الذكريات والهواجس، وتتصاعد لحظات التشويق حين تهرب ثوسكا وتعود متسخة، معبرة عن بحثها عن ذاتها، بينما يواصل إيلان اهتمامه بالكتب وعالم القراءة. تتطور العلاقة بينهما، وتتقاطع مع الشخصيات الأخرى، إلى أن يجتمع الجميع في نهاية الرواية في منزل إيلان للعب الورق، قبل أن تترك ثوسكا رسالة وداع. يمزج عزون ببراعة بين الخيال والواقع، والذاكرة والهواجس، والقراءة والحياة، ليقدم تجربة سردية غنية، تلامس النفس وتغوص في أعماق النفس البشرية.
  • الشخصيات الفاعلة في الرواية:

إيلان: بطل الرواية وساردها، بائع كتب يعيش على هامش الواقع، تطارده الهلوسات وتختلط لديه الحقيقة بالخيال. علاقته بالكتب ليست مهنة فقط، بل ملاذا وجوديا يحتمي به من فراغ داخلي واضطراب نفسي عميق. دوافعه الأساسية هي البحث عن الذات ومعنى الوجود، ويتجلى ذلك في تساؤله المستمر عن هويته وشعوره بالغربة حتى عن نفسه.
ثوسكا: فتاة ترعرعت في دار رعاية الأطفال المتخلى عنهم، تقيم مع إيلان وتجمعها به علاقة حب ملتبسة. تمثل شخصية قلقة، تبحث عن الانتماء والحنان الذي حرمت منه في طفولتها. هروبها واختفاؤها يعكسان صراعها الداخلي ورغبتها في اكتشاف ذاتها قبل أن تكون تابعة لأي علاقة.
الرجل وزوجته: شخصيتان ثانويتان تمارسان السخرية والاستهزاء من إيلان بسبب بيعه للكتب واهتمامه بها، ويمثلان نظرة المجتمع الاستهلاكية الضيقة التي تحتقر المعرفة ولا ترى في الثقافة قيمة حقيقية.
صاحب المكتبة / بائع الكتب: شخصية براغماتية، يتعامل مع الكتب كسلعة قابلة لإعادة البيع، في مقابل علاقة إيلان الوجدانية بالكتب. دوافعه مادية بالأساس، ويشكل نقيضا لرؤية إيلان المثالية للقراءة.
أم إيلان: صوت حنون يحضر كذاكرة أو كصدى نفسي، يمثل الطمأنينة والأمان المفقود في حياة إيلان. حضورها صوتي أكثر منه فعليا، ما يعكس افتقاد البطل للدعم العاطفي في واقعه.
أخت إيلان: شخصية باهتة بلا وصف واضح، ويحتمل أن يكون غياب ملامحها انعكاسا لتشوش ذاكرة السارد أو ضعف الروابط الأسرية في حياته.
ريان: بائع مواد غذائية، رجل قصير القامة ذو شارب طويل، يكن الحقد والبغض لإيلان دون سبب واضح ومباشر. يمثل شخصية عدائية صامتة، تتحرك بدافع الغيرة أو الشعور بالتفوق الزائف، وربما بسبب اختلاف نمط الحياة بينه وبين إيلان؛ فريان يعيش واقعا عمليا بسيطا، بينما يعيش إيلان في عالم الكتب والخيال. هذا التناقض يولد لديه نفورا وعداء، يجعله ينظر إلى إيلان بوصفه شخصا غريبا عن محيطه الاجتماعي.
تلايتماس: زوجة الرجل السكير، شخصية هادئة نسبيا، تمثل المرأة التي تعيش تحت ضغط علاقة مختلة، ويكشف تعارفها مع إيلان جانبا إنسانيا من شخصيتها، قائما على التفهم والتسامح.
أماريس (الزوج السكير): شخصية عدوانية، مدفوعة بالشك والغيرة المرضية، يهاجم إيلان ظنا بخيانة زوجته. دوافعه نابعة من هشاشة داخلية وفقدان السيطرة، وهو مثال على العنف الناتج عن الانكسار.
الشيخ أنير: صاحب المسكن الذي يكتريه إيلان، يمثل سلطة المكان والاستقرار الشكلي، لكنه يظل شخصية هامشية، حضوره واقعي أكثر من كونه نفسيا.
يوبا: موظف بلدية ضخم الجثة، يعشق الكتب الفلسفية لكنه توقف عن القراءة، ما يجعله رمزا للمثقف المنكسر الذي تخلى عن شغفه تحت ضغط الحياة والروتين.
الممرضة: شخصية إنسانية عابرة، اعتنت بإيلان في المستشفى، تمثل العناية الجسدية مقابل غياب العلاج النفسي الحقيقي.
الدركي ومن معه: مجموعة تجتمع على شرب الخمر والسخرية، ينضم إليهم إيلان مؤقتا. يمثلون عالم العبث الجماعي والهروب من الوعي، ويكشف انضمامه إليهم هشاشته وحاجته للاندماج.
الطبيب: يصفه إيلان وكأنه عراف لا طبيب، ما يعكس فقدان الثقة في المؤسسات العلاجية، وشعوره بأن حالته أعمق من تشخيص طبي تقليدي.
ومن الناحية الرمزية فالرواية تكشف عمق البناء الدلالي الذي اعتمده الكاتب، حيث لا تستعمل العناصر اعتباطا، بل تحمل بإيحاءات نفسية ووجودية:
  • أولا: الأسماء الأمازيغية (ثوسكا – إيلان – تلايتماس – يوبا)
اختيار أسماء أمازيغية ليس مجرد انتماء لغوي، بل يحمل دلالات رمزية متعددة، يوحي بالجذور والهوية الأصلية، في مقابل اغتراب الشخصيات داخل واقعها. كما يعكس نوعا من الانفصال بين الأصل والواقع؛ فالشخصيات تحمل أسماء متجذرة، لكنها تعيش ضياعا نفسيا وفكريا، ويمكن اعتباره احتفاء بالهامش، إذ إن هذه الشخصيات نفسها تعيش على هامش المجتمع (بائع كتب، فتاة متخلى عنها، مثقف منقطع…).إضافة إلى أنها ترمز إلى الهوية الضائعة أو غير المكتملة، وهو ما يتقاطع مع بحث إيلان وثوسكا عن الذات.
  • ثانيا: المطر والرعد
هذان العنصران الطبيعيان يحملان بعدا نفسيا واضحا:
المطر يرمز غالبا إلى التطهير الداخلي ومحاولة غسل الألم، أوالحزن والحنين، خاصة عندما يرتبط بمشاهد التأمل أو الوحدة، أو بداية جديدة محتملة، لكنه في الرواية قد يكون بداية غير مكتملة أو مؤجلة.
الرعد يرمز إلى:الانفجار الداخلي والتوتر النفسي، أو الخوف والاضطراب الذي يعيشه إيلان وثوسكا في لحظات التحول الحادة أو الصدمات النفسية.واجتماعهما معا يشير إلى صراع داخلي عنيف، رغبة في التطهر (المطر) تقابلها اضطرابات عميقة وانفجارات نفسية (الرعد).
 ثالثا: البنية الفنية للرواية:
العنوان: يحمل عنوان الرواية “بين الحبر والهلوسة” دلالات رمزية ونفسية عميقة، إذ يقوم على ثنائية تجمع بين عالمين متقابلين: عالم الحبر بوصفه رمزا للكتابة والقراءة والمعرفة، وعالم الهلوسة بما يحمله من إيحاءات الاضطراب النفسي وتشوش الإدراك والتداخل بين الحقيقة والوهم.
فالحبر لا يرمز فقط إلى الكتب والكتابة، بل يعبر أيضا عن الذاكرة والتعبير عن الذات ومحاولة الإمساك بالواقع من خلال اللغة. أما الهلوسة، فتمثل عالم اللايقين والانفصال عن الواقع، وما يعتمل داخل النفس من مخاوف وهواجس وصراعات داخلية.
الزمان والمكان: تبرز دلالات الزمان والمكان في الرواية عمق البعد النفسي للشخصيات، إذ يتخذ الزمن طابعا دائريا متكررا يعكس حالة الجمود الداخلي؛ فالصباح والمساء بتكرارهما لا يحملان بداية أو نهاية حقيقية، بل يوحيان بمحاولات متجددة لا تفضي إلى تحول، بينما تمثل أزمنة الليل (منتصف الليل والعاشرة ليلا) ذروة القلق والانفصال عن الواقع، حيث تتكثف الهواجس والاضطرابات، ويأتي الفجر كإشارة خافتة إلى أمل سرعان ما يتلاشى.
أما المكان، فيتجسد أساسا في البيت باعتباره المركز الذي تدور فيه أغلب الأحداث، وهو ليس مجرد فضاء مادي، بل يعكس انغلاق إيلان على ذاته واحتماءه بعالمه الداخلي، في مقابل أمكنة أخرى مثل مركز رعاية الأطفال الذي يرمز إلى الحرمان العاطفي، والبلدية التي تمثل رتابة الواقع، والمقاهي التي تحيل إلى الهروب المؤقت والاندماج السطحي، بينما يتحول المطر من عنصر طبيعي إلى فضاء رمزي يعكس التيه والتطهر في آن واحد. وهكذا تتكامل الأزمنة والأمكنة لتجسد عالما داخليا مأزوما، تتحرك فيه الشخصيات داخل دائرة مغلقة من القلق والبحث عن الذات دون بلوغ استقرار حقيقي.
اعتمد الكاتب في نصه أسلوبا سرديا يقوم على التناوب بين السرد والحوار، وهو اختيار فني يخدم طبيعة الرواية القائمة على التوتر النفسي والتداخل بين الواقع والخيال. فالسرد يأتي غالبا بضمير المتكلم عبر صوت إيلان، ما يمنح النص بعدا ذاتيا داخليا، ويجعل القارئ ينفذ مباشرة إلى أعماقه المضطربة، حيث تتشابك الذكريات بالهواجس وتختلط الحقيقة بالوهم. هذا السرد لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يتحول إلى أداة لكشف الوعي المهتز والبناء النفسي للشخصية.
في المقابل، يشكل الحوار عنصرا حيويا يكسر رتابة السرد، ويمنح النص حركة ودينامية، كما يساهم في تجسيد العلاقات بين الشخصيات، خاصة العلاقة الملتبسة بين إيلان وثوسكا، حيث يتخذ الحوار طابعا متداخلا أحيانا بين الواقعي والمتخيل، مما يعكس اضطراب الإدراك لدى السارد. كما يكشف الحوار عن اختلاف الرؤى بين الشخصيات (مثل نظرة المجتمع إلى إيلان)، ويعري التوترات والصراعات الخفية. وهكذا، فإن هذا التراوح بين السرد والحوار لا يؤدي وظيفة شكلية فقط، بل يسهم في بناء المعنى، ويعكس انقسام الذات بين الانغلاق الداخلي والرغبة في التواصل مع الآخر.

البعد الاجتماعي والنفسي:

تكشف الرواية عن أبعاد اجتماعية ونفسية متداخلة، تجعلها أقرب إلى تشريح عميق للإنسان في علاقته بذاته ومحيطه.فعلى المستوى الاجتماعي، تقدم الرواية صورة لمجتمع يعاني من خلل في منظومة القيم، حيث تتجلى نظرة دونية للثقافة والقراءة من خلال سخرية بعض الشخصيات من إيلان، في مقابل هيمنة الفكر المادي والنفعي الذي يمثله بائع الكتب البراغماتي.
كما تبرز الهشاشة الاجتماعية في وضعية ثوسكا، التي ترعرعت في دار رعاية، بما يحيل إلى إشكالية التخلي الأسري وغياب الاحتضان العاطفي. وتكشف الرواية أيضا عن تفكك العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة (ضعف حضور الأخت، غياب الأم إلا كصوت) أو في العلاقات الزوجية المختلة (تلايتماس وأماريس)، فضلا عن حضور نماذج اجتماعية تعيش على الهامش أو في صراع صامت مع الآخر (ريان، يوبا). بذلك، ترسم الرواية مجتمعا يفتقر إلى التفاهم والتقدير المتبادل، ويغلب عليه التباعد والاغتراب.
أما على المستوى النفسي، فالرواية تغوص في أعماق الذات القلقة، خاصة من خلال شخصية إيلان الذي يعاني من اضطراب داخلي عميق يتجلى في الهلوسة، وتشوش الإدراك، والشعور بالغربة حتى عن نفسه. وتبرز تيمة البحث عن الهوية كدافع مركزي، سواء لدى إيلان أو ثوسكا، حيث يسعى كل منهما إلى فهم ذاته في عالم غير مستقر. كما تحضر مشاعر الوحدة، والقلق، والفراغ الوجودي بقوة، ويظهر اللجوء إلى القراءة أو العلاقات كنوع من التعويض النفسي. وتكشف الرواية أيضا عن هشاشة التوازن النفسي لدى الشخصيات، حيث يتحول الواقع إلى عبء، فيتم الهروب نحو الخيال أو الانسحاب من العالم.
وهكذا، تتكامل الأبعاد الاجتماعية والنفسية لتقديم صورة إنسان يعيش بين ضغط مجتمع غير متفهم، وصراع داخلي لا يهدأ، في محاولة دائمة للعثور على معنى أو توازن مفقود.
بناء على ما سبق يمكن القول أن الرواية توفقت في بناء تجربة سردية عميقة على المستوى النفسي، لكنها تميل أحيانا إلى الغموض الذي قد يربك القارئ. فمن جهة، يحسب للكاتب قدرته على تشييد عالم داخلي معقد، يتجلى في شخصية إيلان الذي “تختلط لديه الحقيقة بالخيال” وتطارده الهلوسات، وهو ما يمنح النص بعدا وجوديا واضحا، ويجعل السرد أداة لكشف اضطراب الذات لا مجرد نقل للأحداث. كما أن العلاقة بين إيلان وثوسكا، بما تحمله من التباس وهروب، تعكس بوضوح تيمة البحث عن الهوية والانتماء، خاصة وأن ثوسكا “نشأت في دار رعاية الأطفال المتخلى عنهم” وتعيش صراعا داخليا يدفعها إلى الاختفاء والعودة في حالات متقلبة.
ومن جهة أخرى، توفقت الرواية في نقدها الاجتماعي، حيث تجسد شخصيات مثل الرجل وزوجته اللذين “يسخران من إيلان بسبب بيعه للكتب” نظرة المجتمع الضيقة تجاه الثقافة، كما يمثل بائع الكتب رؤية مادية نقيضة لعلاقة إيلان الوجدانية بالقراءة. غير أن هذا العمق يقابله نوع من التشتت، إذ إن تعدد الشخصيات الثانوية (مثل ريان، ويوبا، وتلايتماس…) لا يستثمر دائما بشكل كاف، فتبدو بعض الأدوار عابرة أو غير مكتملة، رغم ما تحمله من إمكانات دلالية.
كما أن نهاية الرواية، المتمثلة في اجتماع الشخصيات للعب الورق ثم “رسالة وداع” من ثوسكا، تحمل بعدا رمزيا قويا ينسجم مع عنوان “بين الحبر والهلوسة”، لكنها تظل مفتوحة بشكل قد يترك القارئ دون إجابات واضحة، خاصة فيما يتعلق بمصير الشخصيات وتطورها النفسي.
وعليه، فالرواية عمل غني من حيث الرؤية والرمزية، يبرع في تصوير القلق الوجودي ونقد الواقع الاجتماعي، لكنه يتطلب قارئا صبورا قادرا على تفكيك رموزه، وقد يستفيد من مزيد من التكثيف والتركيز في بناء بعض الشخصيات والأحداث.
(°) كاتب مغربي
error: