
رواية “بين الحبر والهلوسة” لعمر عزون: القلق الوجودي في مواجهة أعطاب الواقع الاجتماعي
-
عبد الرحيم دادي التسولي (°)
يباغتنا الكاتب عمر عزون بروايته الجديدة بعد مجموعته القصصية “وهكذا..”، ليأخذنا في رحلة سردية أعمق وأكثر نفسا. يروي السارد إيلان أحداث رواية “بين الحبر والهلوسة” من منظوره الخاص، بدءا من لقائه المفاجئ بمراقب القطار واكتشاف اسمه ورقم تذكرته، مرورا بلقاء ثوسكا، الفتاة التي نشأت في دار رعاية الأطفال المتخلى عنهم، ويبدأ بينهما حوار متداخل بين الواقع والخيال..
تتشابك الذكريات والهواجس، وتتصاعد لحظات التشويق حين تهرب ثوسكا وتعود متسخة، معبرة عن بحثها عن ذاتها، بينما يواصل إيلان اهتمامه بالكتب وعالم القراءة. تتطور العلاقة بينهما، وتتقاطع مع الشخصيات الأخرى، إلى أن يجتمع الجميع في نهاية الرواية في منزل إيلان للعب الورق، قبل أن تترك ثوسكا رسالة وداع. يمزج عزون ببراعة بين الخيال والواقع، والذاكرة والهواجس، والقراءة والحياة، ليقدم تجربة سردية غنية، تلامس النفس وتغوص في أعماق النفس البشرية.
-
الشخصيات الفاعلة في الرواية:
إيلان: بطل الرواية وساردها، بائع كتب يعيش على هامش الواقع، تطارده الهلوسات وتختلط لديه الحقيقة بالخيال. علاقته بالكتب ليست مهنة فقط، بل ملاذا وجوديا يحتمي به من فراغ داخلي واضطراب نفسي عميق. دوافعه الأساسية هي البحث عن الذات ومعنى الوجود، ويتجلى ذلك في تساؤله المستمر عن هويته وشعوره بالغربة حتى عن نفسه.
ثوسكا: فتاة ترعرعت في دار رعاية الأطفال المتخلى عنهم، تقيم مع إيلان وتجمعها به علاقة حب ملتبسة. تمثل شخصية قلقة، تبحث عن الانتماء والحنان الذي حرمت منه في طفولتها. هروبها واختفاؤها يعكسان صراعها الداخلي ورغبتها في اكتشاف ذاتها قبل أن تكون تابعة لأي علاقة.
الرجل وزوجته: شخصيتان ثانويتان تمارسان السخرية والاستهزاء من إيلان بسبب بيعه للكتب واهتمامه بها، ويمثلان نظرة المجتمع الاستهلاكية الضيقة التي تحتقر المعرفة ولا ترى في الثقافة قيمة حقيقية.
صاحب المكتبة / بائع الكتب: شخصية براغماتية، يتعامل مع الكتب كسلعة قابلة لإعادة البيع، في مقابل علاقة إيلان الوجدانية بالكتب. دوافعه مادية بالأساس، ويشكل نقيضا لرؤية إيلان المثالية للقراءة.
أم إيلان: صوت حنون يحضر كذاكرة أو كصدى نفسي، يمثل الطمأنينة والأمان المفقود في حياة إيلان. حضورها صوتي أكثر منه فعليا، ما يعكس افتقاد البطل للدعم العاطفي في واقعه.
أخت إيلان: شخصية باهتة بلا وصف واضح، ويحتمل أن يكون غياب ملامحها انعكاسا لتشوش ذاكرة السارد أو ضعف الروابط الأسرية في حياته.
ريان: بائع مواد غذائية، رجل قصير القامة ذو شارب طويل، يكن الحقد والبغض لإيلان دون سبب واضح ومباشر. يمثل شخصية عدائية صامتة، تتحرك بدافع الغيرة أو الشعور بالتفوق الزائف، وربما بسبب اختلاف نمط الحياة بينه وبين إيلان؛ فريان يعيش واقعا عمليا بسيطا، بينما يعيش إيلان في عالم الكتب والخيال. هذا التناقض يولد لديه نفورا وعداء، يجعله ينظر إلى إيلان بوصفه شخصا غريبا عن محيطه الاجتماعي.
تلايتماس: زوجة الرجل السكير، شخصية هادئة نسبيا، تمثل المرأة التي تعيش تحت ضغط علاقة مختلة، ويكشف تعارفها مع إيلان جانبا إنسانيا من شخصيتها، قائما على التفهم والتسامح.
أماريس (الزوج السكير): شخصية عدوانية، مدفوعة بالشك والغيرة المرضية، يهاجم إيلان ظنا بخيانة زوجته. دوافعه نابعة من هشاشة داخلية وفقدان السيطرة، وهو مثال على العنف الناتج عن الانكسار.
الشيخ أنير: صاحب المسكن الذي يكتريه إيلان، يمثل سلطة المكان والاستقرار الشكلي، لكنه يظل شخصية هامشية، حضوره واقعي أكثر من كونه نفسيا.
يوبا: موظف بلدية ضخم الجثة، يعشق الكتب الفلسفية لكنه توقف عن القراءة، ما يجعله رمزا للمثقف المنكسر الذي تخلى عن شغفه تحت ضغط الحياة والروتين.
الممرضة: شخصية إنسانية عابرة، اعتنت بإيلان في المستشفى، تمثل العناية الجسدية مقابل غياب العلاج النفسي الحقيقي.
الدركي ومن معه: مجموعة تجتمع على شرب الخمر والسخرية، ينضم إليهم إيلان مؤقتا. يمثلون عالم العبث الجماعي والهروب من الوعي، ويكشف انضمامه إليهم هشاشته وحاجته للاندماج.
الطبيب: يصفه إيلان وكأنه عراف لا طبيب، ما يعكس فقدان الثقة في المؤسسات العلاجية، وشعوره بأن حالته أعمق من تشخيص طبي تقليدي.
ومن الناحية الرمزية فالرواية تكشف عمق البناء الدلالي الذي اعتمده الكاتب، حيث لا تستعمل العناصر اعتباطا، بل تحمل بإيحاءات نفسية ووجودية:
-
أولا: الأسماء الأمازيغية (ثوسكا – إيلان – تلايتماس – يوبا)
اختيار أسماء أمازيغية ليس مجرد انتماء لغوي، بل يحمل دلالات رمزية متعددة، يوحي بالجذور والهوية الأصلية، في مقابل اغتراب الشخصيات داخل واقعها. كما يعكس نوعا من الانفصال بين الأصل والواقع؛ فالشخصيات تحمل أسماء متجذرة، لكنها تعيش ضياعا نفسيا وفكريا، ويمكن اعتباره احتفاء بالهامش، إذ إن هذه الشخصيات نفسها تعيش على هامش المجتمع (بائع كتب، فتاة متخلى عنها، مثقف منقطع…).إضافة إلى أنها ترمز إلى الهوية الضائعة أو غير المكتملة، وهو ما يتقاطع مع بحث إيلان وثوسكا عن الذات.
-
ثانيا: المطر والرعد