“مفخرة البربر بحرب تازيزاوت وجبل معسكر”، إصدار للدكتور محمد جمال ينبش ذاكرة وأسرار معركة منسية من التاريخ الرسمي

114
  • أحمد بيضي

تعد معركة تازيزاوت، التي دارت رحاها سنة 1932 بجبال الأطلس الكبير الشرقي بالمغرب، واحدة من أعنف وأشرس محطات المقاومة المغربية المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي، وظلت هذه الملحمة التاريخية غائبة عن المقررات الدراسية وعن الاحتفاء الرسمي والإعلامي الذي حظيت به معارك أخرى في تاريخ المقاومة الوطنية، وفي ظل ندرة الدراسات والأبحاث التي تناولت هذه المحطة المفصلية، يأتي كتاب “مفخرة البربر (الأمازيغ) بحرب تازيزاوت وجبل معسكر” للباحث الدكتور محمد أحمد جمال ليسد جزء من هذا الفراغ التوثيقي، مقدما عملا تاريخيا ضخما يمتد على أكثر من 470 صفحة، خصصه لإعادة بناء أحداث المعركة واستجلاء خفاياها وسياقاتها العسكرية والإنسانية.
ويغوص محمد أحمد جمال في تفاصيل المواجهات التي خاضتها المقاومة بالأطلس الكبير الشرقي، مستعرضا بأسلوب توثيقي دقيق الوقائع الميدانية، كما يكشف عن جوانب ظلت لعقود طويلة حبيسة النسيان أو بعيدة عن التداول، مستندا إلى شهادات شفوية حية جمعها على امتداد سنوات من أفواه شهود عيان ومعاصرين لأحداث الدير وملوية وآيت يحيى ومعارك تازيزاوت بقيادة سيدي المكي أمهاوش، ولا يقتصر الكتاب على الرواية الشفوية، بل يستند أيضا إلى وثائق ومذكرات ضباط فرنسيين نجت من تقلبات الزمن، وإلى مواد أرشيفية أفرجت عنها فرنسا، مكنت الباحث من إعادة قراءة هذه المرحلة من زوايا متعددة.
كما يكشف المؤلف لأول مرة عن أسرار ومعطيات ظلت مسكوتا عنها، وعن شخصيات ارتبطت بخدمة الإدارة الاستعمارية، فضلا عن طرائف ووقائع نادرة لم يسبق تناولها في الكتابات التاريخية المتداولة، ومن بين الأسئلة الجوهرية التي يثيرها المؤلف، تلك المرتبطة بأسباب تغييب معركة تازيزاوت من الذاكرة الوطنية الرسمية، رغم أهميتها العسكرية والرمزية، ويعبر في هذا السياق عن استغرابه من الإسهاب الذي حظيت به معارك كبرى مثل لهري سنة 1914 وأنوال سنة 1921 وبادو سنة 1933 في الوثائق والمذكرات الفرنسية، مقابل شح المعلومات حول معركة تازيزاوت.
وبينما تساءل بقوة عما إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة لطمس صفحة مشرقة من تاريخ المقاومة المغربية، سجل مؤلف الكتاب بأسف كبير استمرار هذا الغياب على مستوى المناهج التعليمية، كما لم يكتف بسرد أحداث المعركة وتوثيق مجرياتها، بل يحاول تفسير الأسباب التي جعلت هذه الملحمة المقاومة تتوارى عن الذاكرة الرسمية، مقدما ما يسميه “قرائن” تفسر، من وجهة نظره، هذا التغييب المستمر، ومن أبرز هذه القرائن حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها القوات الفرنسية خلال حرب تازيزاوت، والتي يرى أنها فاقت ما تكبدته في معارك أخرى أكثر حضورا في الكتابات التاريخية.
ويستند صاحب الكتاب إلى شهادات شفوية متوارثة داخل قبيلة إيشقرن وغيرها من قبائل المنطقة، تحدث أصحابها عن ضراوة المواجهات وعن القدرات التنظيمية والعسكرية التي أبان عنها المقاومون، بما في ذلك تصنيع العيارات النارية والرصاص محليا على أيدي حرفيين مهرة استقدمهم الزعيم سيدي المكي أمهاوش من مدينة فاس، وبينما يستعرض المؤلف وجود تنظيمات ميدانية متخصصة، يرى الباحث أن حرب تازيزاوت لا يمكن اختزالها في معركة معزولة أو مواجهة محدودة زمنيا، بل كانت، في جوهرها، حرب استنزاف طويلة الأمد امتدت من صيف سنة 1922 إلى خريف سنة 1932 في مواجهة قوة استعمارية مدججة بالعدة والعتاد.
ويبرز الكتاب أيضا المكانة الروحية والرمزية التي كان يحظى بها قائد المقاومة سيدي المكي أمهاوش وسط القبائل الملتفة حوله، حيث يشير المؤلف إلى أن نفوذه لم يكن عسكريا فقط، بل استند كذلك إلى حضور ديني واجتماعي قوي داخل قبائل إيشقرن وآيت سخمان وآيت إسحاق وآيت إحند وآيت حنيني وآيت علي وإبراهيم وآيت حديدو وقبائل آيت يحيى وآيت أويرا وآيت اعتاب وآيت عيسى، إلى جانب مجموعات أخرى من دير بني ملال وأزيلال، ويذهب الباحث إلى اعتبار اتحادية آيت يافلمان، التي تشكلت من هذه القبائل، بمثابة كيان منظم يمتلك مقومات شبه دولة قائمة الذات في سياق تلك المرحلة التاريخية.
وفي معرض بحثه عن خلفيات الصمت الذي يحيط بهذه الملحمة، يثير المؤلف فرضية أخرى تتعلق بامتدادات تاريخية أقدم، مرتبطة بالخلاف الذي وقع سنة 1819 بين أبي بكر أمهاوش، جد الزعيم سيدي المكي أمهاوش، والسلطان المولى سليمان، وهي الواقعة التي تنسب الروايات المحلية أسبابها إلى تدخل أطراف سعت إلى تأجيج النزاع، وانتهت بأحداث معركة تيندغالين غرب القباب، كما يتوقف الكتاب عند مشاركة بعض المنتمين إلى أسرة البطل التاريخي موحى وحمو الزياني، بحسب ما أورده الباحث، إلى جانب القوات الفرنسية في مواجهة قبائل آيت يافلمان، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل التي يتناولها المؤلف.
وعلى امتداد صفحات الكتاب، يحرص الدكتور محمد أحمد جمال على تتبع مختلف مراحل الحرب، من هجمات وهجمات مضادة، ومفاوضات ومحاولات استمالة وإغراء لم تثمر نتائج تذكر، إلى جانب التدريبات العسكرية وأساليب التعبئة التي اعتمدتها المقاومة، والدور الذي اضطلع به الفقهاء والزوايا في ترسيخ روح الجهاد والصمود لدى القبائل المشاركة في المعارك، ومن بين أبرز نقاط قوة الكتاب، اعتماد كاتبه على طيف واسع من الوثائق والشهادات محلية متوارثة، إلى جانب مذكرات وتقارير ضباط كولونياليين شاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في الحملات العسكرية التي استهدفت مناطق اتحادية آيت يافلمان.
ويشير المؤلف إلى استفادته من كتابات عسكريين ميدانيين وأطباء عسكريين رافقوا الوحدات الفرنسية خلال عملياتها بالأطلس، فضلا عن وثيقة للباحث الأكاديمي الفرنسي ميكاييل بيرون، تعامل معها بكثير من الحذر النقدي بسبب ما اعتبره تحفظا واضحا لصاحبها بشأن حجم الخسائر التي تكبدتها القوات الفرنسية، كما استند إلى وثائق للطبيب العسكري الفرنسي أندريه سير، المحسوب على كتيبة المشاة الجزائرية، وإلى شهادات وتقارير أخرى لأطباء وضباط فرنسيين عايشوا تلك الأحداث، ولم يكتف المؤلف بعرض الوثائق، بل خصص حيزا مهما لمناقشة منهجية ترجمتها وتوثيقها وتحليل مضامينها.
وتتوزع الوثائق المعتمدة بين تقارير عسكرية ومقالات ودراسات أنجزها ضباط كبار من بينهم الليوتنان كولونيل بروفيتيه لانسون في مقاله حول المراحل النهائية لما سمي آنذاك بعمليات “التهدئة” بالأطلس المغربي، إلى جانب وثائق للجنرال أ. هيريه، والليوتنان كولونيل بروفيتيه كورنيه التابع لكتيبة مشاة المستعمرات، وغيرها من المصادر التي يرى الباحث أنها تشترك في نزعة واضحة إلى التقليل من حجم خسائر القوات الفرنسية وحلفائها خلال حرب تازيزاوت، متوقفا عند الدلالات السياسية والإيديولوجية للمصطلحات والتوصيفات والنعوث القدحية المستعملة في الأدبيات الاستعمارية وكتابات الموثقين الكولونياليين.
وعلى امتداد فصول الكتاب، تتسع دائرة البحث لتشمل جوانب متعددة من هذه الملحمة، من أسباب تغييبها عن الذاكرة الوطنية، إلى خصوصياتها العسكرية والاجتماعية والروحية، مرورا بالروايات الشفهية والبطولات الفردية التي شهدها معسكر تازيزاوت، والرمزية الثقافية لتهليلات النساء وأناشيدهن التي كانت تجمع بين مدح الشجعان ورثاء الشهداء وهجاء المتخاذلين، فيما سلط الضوء على الكيفية التي أعادت بها الإدارة الاستعمارية تنظيم عدد من المناطق التي أخضعتها سنة 1932 بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، مع طرح أسئلة عميقة حول الذاكرة والكتابة التاريخية وآليات الانتقاء والإقصاء في تدوين تاريخ المقاومة المغربية.
كما يقدم المؤلف عرضا مفصلا لمجموعة من المعارك والمواقع المرتبطة بسياق الحرب، من بينها لندا وتاكوديت وأكوديم وأنمزي وتمردكانت وتونفيت وسيدي يحيى ويوسف ومرتفعات تازرا وتاعدلونت وتازرا ن إيسمخ وإيمعوكاين وجبل توجيط وهضاب البحيرات وأنفكو وترغيست وجبل تاوجاعوت وتاكوشامت وأقا ن زبزبات، فضلا عن العمليات العسكرية التي شهدتها أراضي آيت يحيى والعلاقة التاريخية لهذه المناطق بالمخزن والزوايا والطرق الصوفية المؤثرة في بنيتها الاجتماعية والسياسية، ولم يغفل الكتاب التوقف عند الأهمية الاستراتيجية التي كانت تمثلها مدينة ميدلت بالنسبة للسلطات الاستعمارية الفرنسية.
ويكتسب العمل التوثيقي، كتاب “مفخرة البربر (الأمازيغ) بحرب تازيزاوت وجبل معسكر” أهمية إضافية بالنظر إلى المسار الأكاديمي والعلمي لمؤلفه الدكتور محمد أحمد جمال، المزداد بآيت بنمسعود إيمزيناتن بمنطقة القباب بإقليم خنيفرة، والذي راكم تجربة طويلة في التدريس الجامعي والبحث العلمي. فقد اشتغل أستاذا للتعليم العالي بشعبة الدراسات الإسلامية بعدد من الجامعات المغربية، من بينها تطوان وفاس ومراكش وبني ملال، وأسهم في تأطير العديد من بحوث الإجازة والماستر والدكتوراه، ولعل انحدار الباحث من منطقة القباب، القريبة من المجال الجغرافي الذي شهد وقائع حرب تازيزاوت، أتاح له الاقتراب من الذاكرة المحلية للحدث.
وحاز الباحث على عدد من الشهادات العلمية والتكريمات والأوسمة، من أبرزها وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة، كما ينشط في عدد من الهيئات العلمية والفكرية العربية والدولية، من بينها اتحاد الأكاديميين والعلماء العرب التابع لجامعة الدول العربية، والهيئة العالمية للعلماء والباحثين، والمجلس العالمي للجامعات المسلمة، ومركز “تفكر” للدراسات والأبحاث الاستراتيجية، وبيت اللسانيات بتركيا، ومختبر الدراسات الفقهية والقضائية بالجزائر، فضلا عن عضويته بالمجلس الأعلى للصحفيين والإعلاميين العرب بمصر الذي منحه شهادة أفضل مائة شخصية فكرية لسنة 2024، إلى جانب تعاونه مع عدد من المجالس العلمية المحلية.
كما أغنى الدكتور محمد أحمد جمال المكتبة العربية والمغربية بمجموعة من المؤلفات والأبحاث المتخصصة في الفكر الإسلامي واللسانيات والتراث والثقافة، من بينها: “المدرسة الأصولية الاعتزالية”، و”كتاب العمد لقاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي”، و”جهود مالكية المغرب الكبير في علم أصول العقيدة”، و”الحوار الديني العالي وموازناته”، و”أصالة اللسان الأمازيغي وتقاطعاته المعجمية”، و”رسالية الشعر الرمزي”، و”المعرب في العقيدة الأشعرية وفقا لتعديلات مالكية المغرب”، وغيرها من الأعمال التي تجمع بين المقاربة الأكاديمية الرصينة والانشغال بأسئلة الذاكرة والتراث والثقافة المغربية.
error: