أفق الهايكو بالمغرب: شهادات في جمرة التأسيس ومأزق النقد
77
شارك
أيوب كريم (°)
لم يعد توطين نوع الهايكو في الأوساط الشعرية المغربية مجرد مغامرة شكلية أو صيحة عابرة، بل تحول في الوقت الراهن إلى حالة إبداعية مفتوحة على أسئلة الهوية والشرعية الجمالية. ولعل المسافة التي تفصل بين الانبهار الأولي بهذا الوافد الياباني وبين محاولة تبيئته، هي التي تدفعنا اليوم إلى فتح قنوات الحوار مع الأسماء التي خاضت غمار هذه التجربة، ليس فقط من باب رصد التراكم، وإنما لاستقراء الوعي النقدي المصاحب للممارسة.
في هذا الأفق، تأتي شهادات كل من الشاعرين مصطفى قلوشي وسامح درويش لتضع اليد على مكامن القلق الحقيقي الذي يواجه “الهايكو بالمغرب”، متمثلا في ثنائية التأصيل الفني والمواكبة النقدية المفقودة.
يرى الشاعر مصطفى قلوشي أن مستقبل هذه التجربة في الساحة المغربية رهين بتحقق شرطين متلازمين؛ ينطلق الأول من الذات الكاتبة، حيث يعتبر قلوشي أن الهايكو بالمغرب يطالب اليوم بالانتقال الحاسم من طور التجريب العابر إلى مرحلة التأصيل الراسخ. هذا العبور –في نظره- مشروط بحدوث تراكم كمي وكيفي تقوده أقلام جادة، لها ثقلها وحضورها الراسخ في خريطة الشعر المغربي الحديث، وأقلام تصدر في كتابتها عن وعي مرجعي دقيق بخصوصيات هذا الفن.
أما الشرط الثاني الذي يطرحه قلوشي، يتجاوز حدود الذات المبدعة ليتجه نحو المؤسسة النقدية؛ إذ يرى في غياب الحركة النقدية الواعية مأزقا يهدد التجربة برمتها، والنقد المطلوب اليوم هو نقد يضطلع بمهمة مزدوجة، هي التعريف بهذا الجنس الأدبي وتقريبه من ذائقة القراء من جهة، والقيام بعملية غربلة صارمة ومستمرة لفرز الهايكو الحقيقي وتخليصه من مظاهر الإسفاف التي بدأت تطفو على السطح، والتي باتت تسيء إلى هذا الفن الجديد في بيئتنا العربية.
هذا القلق الذي يبديه قلوشي تجاه مصير التجربة، يجد صداه في رؤية الشاعر سامح درويش، الذي لا يقف عند حد المطالبة بالحركة النقدية، بل يغوص في ماهية الأدوات التي يجب أن يتسلح بها هذا النقد. إن درويش ينبه إلى معضلة منهجية يقع فيها الكثير من مقاربي هذا الجنس، وهي محاولة إسقاط أدوات ومناهج تحليل النص الشعري التقليدي أو المألوف على الهايكو. هذا الإجراء، بحسب درويش، يفرغ الهايكو من ميزته الجوهرية ويظلمه من الناحية جمالية.
من هنا، يدعو درويش إلى ضرورة بناء رؤية نقدية مغايرة، تنبع أدواتها ومصطلحاتها التحليلية من بنية الهايكو ذاته وفلسفته الخاصة. إن الحاجة –كما يراها- قائمة ومستعجلة لميلاد نقاد متخصصين، نقاد “مسلحين بثقافة الهايكو” وبخلفيته الفكرية والجمالية، ليكونوا قادرين على مواكبة النص وتوجيهه دون قسوة الإسقاط الجاهز.
ومن جهة أخرى، تساءلت أيضا الشاعرة مريم لحلو عن إمكانات تنامي نص الهايكو بالمغرب في ظل “غياب النقاد”، معتبرة أن لحظة التأسيس الفعلي لهذا النوع الشعري الوافد، تستحيل بالنظر إلى عدم التفات النقد الأكاديمي خصوصا لتجربة الهايكو بالمغرب.
وتضعنا هذه الشهادات أمام حقيقة واضحة، وهي أن “الهايكو بالمغرب” قد شارف على مغادرة منطقة العفوية والإنتاج الكمي غير المنضبط، ليدخل مرحلة المساءلة النقدية الذاتية، فالأمر لم يعد يتعلق بجلب قالب شعري دون روحه، بل بالقدرة على إثبات “الحق في الاختلاف الجمالي” داخل المشهد الشعري المغربي في الألفية الثالثة. وهو رهان يمر عبر قناة التراكم الرصين الذي ينشده مصطفى قلوشي، والتأسيس لمعادلة نقدية متخصصة ومفارقة للسائد كما اقترحها سامح درويش ومريم الحلو.