
التجريب: بين المشهدية والتقطيع السردي في قصص “لست سعيدا بما يكفي” لمحمد الحفيضي و”سرقوا كل شيء يا باتريس” لرضوان إيار
°° الحسين أيت بها (°)
تنتمي قصص ” لست سعيدا بما يكفي” و”سرقوا كل شيء يا باتريس” (1) للقاصين المغربيين محمد الحفيضي ورضوان إيار ضمن ما يسمى بالتجريب السردي، ويقصد به تجريب تقنيات وأشكال جديدة، وتتمثل هذه المحاولات السردية في “ممارسة التجاوز عن طريق البحث عن أشكال جديدة، وطرائق جديدة في الكتابة الروائية” (2) بصفة عامة ـ والقصصية بصفة خاصة، وهو ما يسمى بالتجريب السردي، خاض غماره كتاب التسعينيات الشباب، في موجة جديدة ظهرت لنقد الواقع المعاش ورصد تحولاته، والسعي نحو كشفه وتغييره، للوقوف على تناقضاته، وتشخيص مكامن الفشل فيه.
إن قصص كل من رضوان إيار ومحمد الحفيضي، تم فيها على مستوى الشكل والمضمون، توظيف تقنيات جديدة، في سعيها نحو كل جديد يحقق” الإدهاش والتطرق إلى مواضيع جديدة، مخالفة بذلك السائد والنمطي الجاهز المستهلك” (3)، مخالفة بذلك كل ما هو تقليدي يقدم القصة بطريقة عادية لا ترقى إلى المستوى المطلوب.
لذلك تسعى قصص كل من محمد الحفيضي ورضوان إيار، إلى تجاوز الرؤية التقليدية في كتابة القصة، إلى نظرة أعمق تعتمد تقنيات التقطيع السردي والمشهدية والمونطاج السينمائي، وتبني لها أفقا جديدا مع قارئها، تلتقط أشياء لا نعيرها أهمية في الواقع، بينما هي في الواقع تمثل مرآة ضعفنا، وتعبرعن حقيقتنا، وما نخاف أن يكتشفه الآخرون فينا، من انكسار وضعف وعجز، وفي مقابل ذلك تدعو إلى قيم جديدة، تعكس البعد الإنساني للقصة، وقدرة أصحابها على إيصال أفكارهم لصفوة النخبة من أصدقائهم الكتاب الأوفياء الذين يخلصون للكلمة ويجعلون من القراءة زادهم اليومي، ودرعا يحميهم من مظاهر القبح والرداءة.
تربط بين العنوان الأول والثاني، علاقة تقوم على محاولة فهم الواقع، وتشخيصه، فقصص ” لست سعيدا بما يكفي” هي رؤية بمنظار قاص اكتوى بنار الكلمة فجعلها خلاصه الوحيد للسمو على الواقع القبيح وتجاوزه، نحو عالم القصة الأرحب، أما نصوص ” سرقوا كل شيء يا باتريس” فهي صرخة ضد الظلم والطغيان ودعوة من القاص إلى ضرورة التشبت بكل ما هو إنساني جميل الحب والأمل والحق، وهي طريقنا الوحيد نحو النجاة من عالم لا إنساني مليء باللصوص والمجانين، يسوده القبح والنفاق في مختلف مظاهره.
يحتفي القاص محمد الحفيضي في عمله القصصي الممتع “لست سعيدا بما يكفي” بالكلمة، هي سبيله الوحيد نحو تجاوز الفراغ والعبث الذي يخلفه تراكم الأيام، والإهمال، فتصبح الكتابة عند الحفيضي مداهنة للواقع المعاش، ومسايرة لشكل جديد في القصة، الذي يناور بالكلمة من أجل التأثير في المتلقي، وجعله يركن إلى واقعه ويكتشفه بنفسه.
كما أن كشف هذه الظواهر الاجتماعية المرضية، تنبيه للقاص في نهاية المطاف إلى ظواهر أخرى أكثر قبحا، مثل البطالة والفراغ وقلة الشغل، يقول في قصة ” خلطة الألون”: ” أرأيت لست وحدك القادر على اقتفاء أثر الناس، فلست وحدك الذي لا شيء لديه لكي يفعله، هناك الملايين من أمثالك لا شغل لهم غير تتبع الأثر، الذي يخلقه الماشي” (4).
إن قدرة محمد الحفيضي على خلق اللعبة السردية، تؤدي إلى فضح ذوات الآخرين وتعريتها وكشفها لهم، بغرض المتعة والتشويق وإمتاع القارئ. فهو اتفاق ضمني بين السارد والقارئ على المتعة المضاعفة والمتبادلة في مخاتلة السرد.
يحمل العنوان لذي اختاره القاص محمد الحفيضي عتبة لمنجزه السردي ” لست سعيدا بما يكفي” نظرة تشاؤمية للواقع، تبين إفراطه في قراءة الواقع وفهمه، إلى درجة رؤيته بمنظار السواد، الذي يطل منه القاص لكي ينقل لنا صدمته بنفاق الناس في الواقع.
يوظف القاص محمد الحفيضي تقنية التقطيع السردي والمونتاج السينمائي الغارق في المشهدية، والانتقال من مشهد إلى آخر، ليرصد لنا شخصيات هامشية، لمحها هنا وهناك، وشكلت جزءا من فراغ الحياة ونظرته لها، من خلال مرئياته التي يقرأ عبرها الواقع المر، ويعمل القاص محمد الحفيضي في رؤيته السردية الجديدة على تجاوز النمطية التقليدية التي أتت بها القصة العادية، من أحداث وشخوص تعتمد الترتيب المنطقي للأحداث، إلى اعتماد تقنيات جديدة، استقاها من عالم السينما، عن طريق توظيف التقنيات السينمائية في القصة القصيرة، إن هذه القصص تتميز بجودها وفرادتها واختلافها، لأنها ” تستعير من السينما تقنيات المونتاج لتربط بين مشاهد قصصها كل حسب طريقة ربطه (5). إنه يربط بين مشاهد وشخوص وأحداث حية لتشكل مادة حكائية لسرده الممتع، الذي يدخله في دائرة تعاقده مع قارئه المختلف. ومن هنا نفهم أن كل قراءة جديدة تفرض قارئ مختلف يملك وعيا نقديا جديدا مفارقا لغيره من القراء العاديين.
إن اعتماد القاص على هذه التقنية، المشهدية والمونتاج السينمائي، مكنه من إعادة حكي القصة بصيغة أخرى، تضمن لها التعددية المشهدية، والتقاط المشاهد وعرضها مرات عدة، للقارئ بغرض الإدهاش وإمتاعه.
في هذا الصدد لا بد أن نشير إلى تقنية أخرى اعتمدها القاص محمد الحفيضي، وبالخصوص في قصتيه ” الأبعاد الثلاثة” و”الرجل والمرايا”، وهي تقنية التناظر المرآوي، ففي القصة الأولى نلاحظ التناظر يتجسد على مستوى العناوين، مثل قوله: “ضائع وجائع مائع” وقولة ” لست ضائعا ولا جائعا ولا مائعا”، وفي قوله أيضا: أنت راجع وصانع وبائع”، أما في القصة الثانية فالرجل عاشق المرايا، هو نفسه ذات مرآة بورخيس المعكوسة، أو التضاعف الذي يخلق السرد وهو من مستويات اللعب السردي، نجد هذا التضاعف في كتابات بورخيس، يقول عنه المترجم المغربي نور الدين بوخصيب: “مرايا بورخيس المتشذرة قاسية جدا، لأنها تكشف عن رعب العالم.. هناك تضعيف لا متناهي وتشعب أبدي للأشياء والأفعال من خلال مراياه اللا منقطعة أمام قسوة العالم ورعبه في فعل التضعيف الدائم” (6).
بقي لنا أن نؤكد على أن قصص محمد الحفيضي جاءت مفارقة لما هو مألوف في إيقاع السرد، لتفارق أفق توقع القارئ، وتجعله يعيش واقعه ويكشف تناقضاته، لقد حاولت قصصه اقتراح بديل للقضية الاجتماعية، عن طريق التعريف بها وفضحها بغرض تجاوزها، إلى قيم أخرى تتضمن معاينة الواقع وكشف خلله ومحاولة إصلاحه بحيل جديدة تعيد التوازن لمنظار الحياة الذي يراه في البداية.
وفي مقابل الصورة الأولى التي ينقل لنا، القاص محمد الحفيضي، والتي تبرز الاحتفاء بالمشهدية، والمونتاج السينمائي لتعرية الواقع وكشفه، تظهر نصوص القاص رضوان إيار السردية “سرقوا كل شيء يا باتريس” لتعتمد لغة سردية، قريبة من لغة الشعر، تعتمد الإيحاء، وتركز على دور الكلمة في نقل المشاعر والأحاسيس، وبذلك فإن نصوصه، تعتمد تقنية التقطيع” (7) التي يجمع بين الشعر والسرد، وفي التداخل بينهما، تنمحي الحدود والفواصل بين الأجناس، وتخلق لغة شعرية جمالية آسرة.
إن اللغة السردية الموظفة في القصص تشكل جمل هي عبارات سلسة متدفقة، تعتمد الجمل القصيرة، والكثيفة المليئة بالصور والإيحاءات والتشبيهات، وتقوي حضور الكلمة ودلالتها و رمزيتها داخل النص، هذا الانتقال من الشعر إلى النثر، يعطينا إمكانية تصنيف هذا العمل، في أنه عبارة عن نصوص سردية، تتميز بالكثافة الشعرية، والتتابع الزمني المنطقي، مع الترتيب المنطقي للأحداث، وتوظيف جمل فعلية، هي بمثابة حوافز تشكل محور السرد، ومادته الحكائية، هذه الأفعال تضفي حركية على أحداث النص، وتخلق لغة جمالية انسيابية تتنوع وتسهل الانتقال بين السرد والوصف والحوار، ويمكننا اختيار نموذج من هذه النصوص ضمن قصص العمل، فنختار هذا النص من قصة ” يوم اعتقلوا باتريس”، يقول القاص: ” غابت شمس الحق يا باتريس، سرقوا كل شيء، سرقوك مني أيضا ومن ضيعتنا، قال وهو ينظر إلى السجان يكبل يديه بحبل متسخ، ويربط الحبل بقوة إلى أعمدة الشاحنة العسكرية:
ـ لا عليك سنقطع الحبل بالحب والأمل، وسيندم السجان عندما يسكن كهفا متسخا كحبالهم، سنعود نحن بكل عزتنا لنبصق على وجوههم جميعا. “(8)
إن نصوص القاص رضوان إيار تحتفي بكل ما هو إنساني نبيل، فتحمل لنا قيما جديدة، تسافر خارج الوطن، لتعتنق محاولات باتريس في نضاله المبكر لضمان تحرر بلاده الكونغو الديمقراطية واستقلالها، وتبرز موضوعة النضال كثيمة أساسية في عمل القاص، لكنها تعلي من قيم جديدة، حيث تبرز الذوات الباحثة عن الخلاص في الحق، والحب وإدراك معاني الحياة، من خلال البحث عن الهدف من العيش. وقيمة وظيفتنا في الحياة. والفرح والإقبال على الحياة.
ويبدو من خلال قراءتنا لهذه النصوص، أن موضوعة الحب، هي الموضوعة الأكثر حضورا في هذه النصوص السردية، فهي القيمة التي أخلص لها القاص وجعلها موضوع عمله، إذ نجدها في عدة قصص، تتكرر بعبارات وجمل قصيرة، مثل قوله: “كنت تهمس في أذنه كلام الحب” وقوله أيضا في قصة “انتهى الكلام”: ” عمرنا سيسيح في الأرض كالحب”.
وإذا أردنا تمثل ذلك يمكننا قراءة قصته التي تحمل عنوان “العلم الوطني”، وهي أهم قصصه، ليظهر لنا أن موضوعة الحب، سيطرت بشكل كبير على مضمون القصة، بالإضافة إلى بعض الإشارات المتفرقة في باقي القصص، فإن القاص شيد عالمه السردي وبناه على ثيمة الحب، لذلك نجدها تتكرر في أكثر من قصة، ومن خلال رصد هذه الثيمة المركزية والمحورية في نصوصه، نجدها في أكثر من وحدة معجمية، وهي: العشاق، الحب الأول، عذوبة الحب، هذيان الحب، حبيبها، الحب… لكن رسالة القاص في الحب، تتمثل في أن الوطن الحقيقي هو الذي يتسع للجميع، لكنه للأسف يضيق بأهله، يقول:” قلت ذاك الصباح إن الوطن هو حضن من نحب في الحرية والصدق، وفي الغرف الصغيرة التي تتسع بالأمل وبتكتيك الهدوء، لكن الوطن يضيق بالناس عندما يذيبهم بعجرفة الحديد” (9).
يتضح من خلال قراءتنا للعملين معا، أنهما أتيا في نفس توقيت نشرهما، وهذا التزامن بالإضافة إلى أنهما من نفس الجيل، ولد فكرة أن القارئ ألف أفق توقعهما الذي يميل إلى النزعة التجريبية في كتابة القصة، ويتضح أيضا أن العملين هما عبارة عن كتابة جديدة، بنفس جديد، لشباب بدأوا الكتابة في تسعينيات القرن الماضي، وهم يحملون على عاتقهم، عبئ تجديد القصة الحديثة وتطوير تقنياتها، ونختم بسؤالنا المشروع الذي يطرح نفسه علينا:
فهل أفلح كتّاب القصة هؤلاء في تجديدها وضخ دماء جديدها فيها، بعد توالي عقود، ازدهرت فيها الرواية وعرفت تطورا كبيرا وملحوظا، خلال السنوات الأخيرة؟
(°) كاتب وناقد مغربي
هوامش:
نشرت النصوص السردية في الراصد الوطني للقراءة، بطنجة، القصص الأولى في سنة 2023، والثانية في2021.
ـ القراءة والتجربة: حول التجريب في الخطاب الروائي الجديد بالمغرب، د. سعيد يقطين، رؤية للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2014. ص: 287.
ـ أنظر كتابنا: ” الإبداع الروائي الجديد: قراءات في نماذج روائية”، الحسين أيت بها، دار العائدون للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى 2026، ص:3.
ـ لست سعيدا بما يكفي، محمد الحفيضي، ص: 26.
ـ مقالة بعنوان ” توظيف التقنيات السينمائية في القصة القصيرة جدا” إيمان مليكي، ديسمبر 23، 2020. مجلة ذخائر.
ـ مرايا بورخيس المكسرة، مقالة ضمن موقع أنفاس، بتاريخ 29 أيار/ ماي، 2011.
ـ كان تقديم الناقد المغربي حميد ركاطة، دليلنا على وجود التقطيع في هذه النصوص، وقد استفدنا منه، وله يرجع الفضل في هذا التحليل، وقد كانت قراءته الأولى هي مرشدتنا وهي النص الأول الذي اعتمدناه وتفاعلنا معه، في قراءتنا هذه العاشقة، للنص السردي.
ـ سرقوا كل شيء يا باتريس، نصوص سردية، ص: 76.
ـ ص: 45.