الناقد السينمائي حميد اتباتو يدعو في اليوم العالمي لأبي الفنون إلى جعل المسرح ضرورة ثقافية وحاجة اجتماعية
262
شارك
د. حميد اتباتو (°)
يحتفل المسرحيون في العالم باليوم العالمي للمسرح الذي يتم تخليده يوم 27 مارس من كل سنة، وما يـهم، بعيدا عن طقوسية الاحتفال الباردة، كما عندنا، هو التذكير بالحاجة إلى المسرح باعتباره ضرورة ثقافية وحاجة اجتماعية، وذلك لأن هذا الفن كان دوما إحدى العلاقات الاجتماعية المتميزة، حيث سعى إلى النهوض بوظائف من صميم الاحتياج الإنساني، لهذا تم تقدير طاقاته وإمكانياته من طرف كل الكبار. فرائد المسرح الفقير جيرزي غروتوفسكي اعتبره إمكانية للانعتاق، وبيتر بروك، الذي يعد من كبار فناني هذا الفن، يشبه المسرح بالموسيقى ويجعله من الأشياء القليلة التي تجعل الكثير من الناس قادرين على تحمل عبء الحياة، وأنها جديرة بأن تعاش.
إن المسرح الذي يقصده بروك هو المسرح الحقيقي المولد للفرح، والذي يتقلص كثيرا في مجتمعنا، فاسحا المجال لما يسميه بروك نفسه المسرح المميت الذي تشم منه رائحة الجيفة، فالمسرح بحسب الكلمة البهية التي صاغها الكبير سعد الله ونوس «ورغم كل الثورات التكنولوجية، سيظل ذلك المكان النموذجي، الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معاً… وهو الذي سيدربنا، عبر المشاركة والأمثولة، على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسد الجماعة. وهو الذي سيحيي الحوار الذي نفتقده جميعاً… وهو خطوة البداية لمواجهة الوضع المحبط الذي يحاصر عالمنا”.
المسرح لا يمكنه أن يكون بمعناه الأصيل إلا حين يكف عن خدمة مصالح المهيمنين، ويبدع، كما قال فيسيفولد ماير خولد، من أجل الإنسان الجديد، أي أن يقوم ضد أغلال الثقافة الفعلية، وضد تخريب معناها الأصيل، وهذا ما يسميه المسرحي الألماني برتولد بريشت خدمة الأهداف الكبرى. المسرح الذي يحتاج إليه الناس وكل الإنسانية، حسب بريشت، هو القادر، ليس فقط على إثارة أحاسيس وأفكار مسموح بها في العلاقات البشرية والظروف التاريخية الراهنة، بل الذي يولد أفكارا وأحاسيس تعتبر ضرورية لتغيير الظروف التاريخية نفسها، وتغيير التاريخ يتأسس بالضرورة على إيضاح الحقائق وكشفها، وهذه إحدى الوظائف الجليلة للمسرح، كما يرى ذلك بيتر فايس.
لقد تم الارتباط دوما بالمسرح باعتباره قيمة اجتماعية، ولا يَتَعرَّف المسرح لدى الكثيرين إلا بوظيفته داخل المجتمع، لهذا قال علي الراعي إن على المسرح أن يعكس ما يحس به الفرد العادي من انسحاق أمام عجلات الأنظمة السياسية، ويعطي لجمهوره دورا فاعلا أمام هذه العجلات ينجيه من الانسحاق. وبتعبير سعد الله ونوس مرة أخرى فإنه من مهام المسرح الحقيقية حث الناس على مباشرة مهمة تغيير قدرهم الراهن، وإذا لم يكشف الحقيقة أو إذا أخطأ في تحليل الأوضاع، ينقلب إلى جهل وتضليل، وهذه بالضبط هي مواصفات الكثير من الأعمال التي يتم تسويقها في وجودنا المغربي.
لقد عاش المسرح في المغرب ممارسة مقلقة وعفوية خاصة مع تجربة الهواة التي أعطت بلا حدود لمسرحنا، بناء على قناعة النضال الثقافي والإبداعي، والرغبة في إثراء ينابيع الثقافة الوطنية، وحاجات المجتمع من موقع المسرح ، والتي تمت تصفية تركتها بشكل ممنهج. لقد فهم رواد مسرحيون مغاربة دوما المسرح باعتباره حاجة اجتماعية، ومداخلة نوعية في التاريخ والمجمع بلغته وصيغه الخاصة، كما أدركوا أن المسرح ممارسة لإنعاش الأمل وتوسيع جبهته، وهو ما عكسه العطاء الإبداعي والتنظيري والفني والفكري التاريخي لأسماء رحلت أو تقاوم من أجل الاستمرار أمثال محمد القري، ومحمد تيمد، ومحمد مسكين، وحوري حسين، وعبد القادر اعبابو، وعبد القادر البدوي، ومحمد الكغاط، وعبدالكريم برشيد، والطيب الصديقي، وعبد السلام الشرايبي، وسعد الله عبد المجيد، وعبد الحق الزروالي، ويحيى بودلال، وبوسرحان الزيتوني، والزبير بن بوشتى وغيرهم…
لقد أفرز التراكم الذي صاغته هذه الأسماء ما سمح بالحديث عن التنوع الفاعل لمسرحنا، وما وفر متنا غنيا لدراسات وأبحاث وكتابات مرافقة سمحت بالحدث عن ممارسة نقدية مغربية صلبة، وبحث أكاديمي متماسك. لقد أوجد عطاء المسرحيين المغاربة تجارب خصبة غزيرة متنوعة نهلت من مرجعيات درامية وفكرية متنوعة، ونسجت أفقا إنسانيا عميقا ورحبا للانتساب المسرحي ينهل من التجارب الطليعة، والمسرح الفقير، ومسرح المقهور، ومسرح القسوة، والمسرح الملحمي، والمسرح المسرح السياسي، والدراما التاريخية، والمسرح الشعبي… ومن كل ما يعد مصدرا لإثراء التجديد المسرحي المغربي ورهاناته، ويوسع من داخله إمكانيات فهم شروط القهر ووعي الحاجة لنقضها.
لم يتعين المسرح المغربي، مع تجارب الهواة أساسا وبعض التجارب الاحترافية الحقيقة، حاجة ثقافية فقط، بل ضرورة اجتماعية تستجيب لحاجات الشرط التاريخي، ولهذا لم يكن تحقيق منجزها وتراكمها سهلا، بل كان نضالا ملتهبا لم يسنده المال الرسمي، ولا تساهل أجهزة التنصت والقمع إلا أن قناعة أصحابه ونضالهم كانا صمام أمان لإنجاح ما ارتبط به من رهانات، والتي لم يكن بالإمكان قتلها وإسكاتها لو لم تحاصر بشكل عنيف ليس بالتهميش والقهر فقط، بل بثقافة التتفيه، والاختيارات الانتهازية التي سيدها منطق الهيمنة والتصورات الرسمية التي دفعت في اتجاه تعميم القبح والرداءة، وغرس الخواء في أعماق الجمهور المغربي من خلال أعمال مسرحية وسينمائية وتلفيزيونية وغنائية سوقية تنهل من الساقط جماليا وفكرا، بل تصاغ من دون أي قلق معرفي وإبداعي لحاجة وحيدة هي الانتفاع الشخصي، وتسييد الرداءة في وجودنا لخنق أية إمكانية لبناء وعي ثقافي وفني واجتماعي فاعل ومغاير.
يوجد دعم مالي للمسرح الآن، ويوجد معهد يخرج الكثير من الأطر في تخصصات مرتبطة بالمسرح، ويقرأ الجميع عن برمجة عروض في بعض المدن، كما تنعقد سنويا دورة جديدة للمهرجان الوطني للمسرح، وترصد إمكانيات دعم هائلة لإنتاج نوع درامي ممسوخ جديد يبرمـج في ‘‘رمضان’’، إلا أن كل هذا لا يعني في شيء أن هناك حركية مسرحية حقيقية في الوطن، لأن وجود مسرح حقيقي بالمغرب يجب أن يعني أن يحتاج الناس في كل المغرب إلى أن يشاهدوا مسرحية حين يرغبون في ذلك ويجدون إمكانية لاختيار ما يريدونه في مكان عيشهم، وحين يحس الناس بالقهر الاجتماعي يكون المسرح حاضرا لصياغة شهادة إدانة لمن يغمم وجودهم، وحين تتضخم التفاهة والخواء يكون بإمكانية هذا الفن العظيم أن يقترح ما ينقض ذلك، وما يحاصر البؤس الذي يتعمم من داخلهما إلا أن كل هذا يبدو مستحيلا في واقعنا وواقع مسرحنا الآن.
حين نتحدث ببعض التشاؤم أو بالكثير منه عن المسرح المغربي لا يعني الانتصار للعدمية، وأنه لا توجد أعمال وتجارب وعطاءات ومجهودات ذات علاقة بمعاني المسرح الحقيقية كما حصرناها مع بعض الكبار، بل يعني أن ما نعتبره إيجابيا في مسرحنا، والمؤسس على نضالات وقناعات فاعلة ليس بإمكانه مواجهة هذا القتل الهائل لمعاني المسرح والثقافة الحقيقيين من خلال فيضان رداءة وقبح يعممان بشكل ممنهج، ويدعمان ماديا من خلال إمكانيات تستحوذ عليها أطراف وجهات أكثر حظوة من خلال صيغ دعم تبدو منصفة ظاهريا لكنها غير موضوعية نهائيا ليس في المسرح فقط بل في كل الحقل الفني و الثقافي.
إنه ما يدفع إلى القول إن المطلب الحقيقي الذي نحتاج إلى تفعيله في اليوم في وطننا هو ضرورة استحضار المسرح باعتباره حاجة اجتماعية لكونه يؤصل بنوعيته لمعناه الحقيقي، ويناصر المغلوبين، ويحارب الدجل والتضليل في المجال باعتماد أدوات هذا الفن، ويعمل من أجل فرض و إنصاف الفن الآخر والمختلف والمناضل والخلاق الذي صاغ مواصفاته الكبار هنا وفي كل مواطن وجود الإنسان في العالم. مرة أخرى وللاحتفال مع كل الناس باليوم العالمي للمسرح نقول مع الرائد سعد الله ونوس « إن المسرح في الواقع هو أكثر من فن، إنه ظاهرة حضارية مركّبة سيزداد العالم وحشة وقبحاً وفقراً، لو أضاعها وافتقر إليها «إنه حاجة اجتماعية وضرورة ثقافية ورافعة لبناء الأمل في منطق التاريخ.