إشقيرن بلقباب في ذاكرة طفل تنبض بحكايات من زمن مضى

599
  • المصطفى تودي (°)
لماذا الرجوع إلى الماضي؟
ألا يحكمنا منطق شوفيني نرجسي يجعل من مجال ماضينا النفسي الفردوس المفقود، نحن باستمرار لأحضانه ولبن صدره المعطاء؟ ألسنا سلفيين، كما هو شأن عامتنا، نمجد الماضي وننظر إلى الحاضر والمستقبل نظرة سوداوية؟ ألا تحكمنا ميكانزمات فكرية تحتمي في تجارب الماضي كلما أردنا التفكير في الحاضر، عوض تبني آليات تجدد ذاتها و تغير معاولها النظرية لتتوافق و ماجد من القضايا؟ لست باحثا سوسيولوجيا ولا محللا نفسيا، لأقدم جوابا عن هذه الإشكالات، فعلى الأقل إن من حسنات خطاب التاريخ: زرع الوعي لدى المواطن بالانتماء إلى وطن، والمساهمة في خلق فهم للمجتمع الذي يتميز بكونه واحدا مشتركا، ومتعددا مختلفا في نفس الآن. بالإضافة إلى المساهمة في التخلص من النزعة القبلية النرجسية التي تذكيها الانتماءات المختلفة لأفراد الجماعة
يمكن إذن للحاضر أن يستلهم الماضي ليسترشد به ولو في شكل حكايات تنقلها إلينا ذاكرة صبي عن نقطة جغرافية ضيقة من مساحة ذاكرتنا العميقة.
أمسيات الرجال أمسيات النساء
لقد شكلت قرية لقباب (إقليم خنيفرة) عبر تاريخها ملتقى لوافدين من مناطق مختلفة. من تادلة ومنطقة أبي الجعد، ومن الصحراء من منطقتي اغريس وتافيلالت على الخصوص. ذلك لأنها كانت مركزا تجاريا مهما إلى جانب المراكز التجارية الأخرى في الجبل والدير. وطبيعي أن ينتج تلاقي الأقوام تلاقحا سيولد ممارسات جديدة قد يطغى بعضها بحيث يغير ملامح العادات والتقاليد الموروثة محليا. ولعل امتزاج السكان الأصليين بالوافدين ما أدى إلى تغير العديد من المفاهيم المرتبطة بالأفراح ولقاءات الأنس والترفيه.
لم تعد لمفاهيم الحشمة والوقار نفس الدلالات، فإذا كان الاختلاط بين الجنسين، في الأفراح والأعراس، عادة مستساغة لدى سكان لقباب الأصليين، فإن توافد سكان جدد رفع هذه العادة إلى مستوى الممنوع والمذموم، فكانت للنساء جلساتهن وللرجال جلساتهم. قد تستغل أية مناسبة لتلتئم الجلسات وتنظم امسيات الأنس والفرح. ولا يستقيم الأنس والفرح دون أهازيج وموسيقى تحيك نغماتها فرق متخصصة. فكانت للنساء فرقتهن “إست موي” وللرجال فرقتهم فرقة “الحدادة”.
فأما النساء فيلتئمن على نغمات فرقة “إست مو” وهن نساء من أصول صحراوية من قصر “آيت مو” ب “غريس” قرب كلميمة. ترأس الفرقة المرحومة “عيشة الداش” وتؤازرها بنتها وأختها. لم يكن ما يهم الفرقة ما سيجنينه من مال، بل إنهن انصهرن في النسيج الاجتماعي لنساء لقباب بحيث يشاركن بعفوية الصحراويات في كل الأفراح والأتراح.
من المناسبات التي تقتضي حضور المجموعة، إعداد “أفتال” أي الكسكس. فمن عادات أسر لقباب إعداد هذا المنتوج بكميات كبيرة، “عبرة” أو أكثر ليخزن، فهو الطبق الحاضر على الدوام في المطبخ المحلي. لم يكن “أفتال” مرتبطا بيوم الجمعة كما أصبح متعارفا عليه لدى الأسر المغربية الآن.
في كل منزل “لخزين” بيت تخزن فيه المؤن الأساسية: “أكر” الدقيق، “أودي” السمن، “أفتال” الكسكس إلى جانب لخليع عند الأسر الميسورة… وقد ارتبط “لخزين” بعادة متأصلة لدى الأسر المحلية وهي الترحيب بأي ضيف يمكن أن يطرق الباب دون سابق إخبار. وأكبر الكبائر إن صح التعبير، ألا يجد الضيف ما يكرم به، فكان الشاي والسمن أو لخليع هو صمام أمان يحضر “طجين لخليع بالبيض” مرفوقا “بصانية” الشاي بسرعة ليقدم للضيف.
إعداد “أفتال” طقس شبه عائلي يقتضي تعاون نساء عدة أسر وبالتوالي “ثاوالا” فيما يشبه “التويزة” أيام الحرث والحصاد. تتكفل ربة البيت التي تحتضن دورها “ثاوالانس” بإكرام المشاركات في الطقس بإعداد الغذاء الذي يهيأ غالبا من المنتوج الجديد في طبق شهي قد اكتنز لحما وشحما ويشبع دسما بمرق حليب مُنكّه بتوابل عطرية مختارة. ثم لا يستكمل الطبق زينته النهائية إلا ومقطعات “اللفت” قد اخذت مكانها ملء ما تبقى من فراغ الصحن، تاركة لعين الضيفة ان تقرا فيها كل معاني السخاء والكرم في ابهى صورهما.
ثم إن الجلسة لا تحلو إلا مع كؤوس الشاي الذي لا يتوقف إعداده طيلة اليوم. وفي جو حميمي تمثل “عيشة الداش” بانغامها ولحونها واسطة العقد فيه، او قل هي القلب النابض لطقس الانس بين الحاضرات. كد متواصل تقضي النسوة له الساعات الطوال لإنجاز المهمة، ويتعلق الأمر بعملية تصنيع يدوي على الطريقة التقليدية لمادة الكسكس عن طريق تحويل الدقيق الخام إلى كسكس قابل للاستهلاك. وهو ما يتطلب مهارة خاصة وخطوات محددة ومواعين مخصوصة: ففي “قصعة” أولى تخلط المرأة الأولى الدقيق والملح بقليل من الماء لتحوله بحرفية إلى كويرات دقيقة عبر حركات دائرية مستمرة. ليمر المنتوج إلى قصعة ثانية وإلى امرأة أخرى تعمل على “تدقيق لفتيل” أي جعل حبات الكسكس متساوية ودقيقة قدر الإمكان.
قد تستخدم في المرحلة الثانية آنية تسمى “إسكي” Issougui ” “طبك” باللهجة الدارجة، وهي آنية مصنوعة من “الدوم”. ثم يمر المنتوج إلى مرحلة الطهي، حيث يوضع في “كسكاس” من فخار على قدر فوق نار متقدة ليتصلب ويحافظ على شكله النهائي ويصبح قابلا للتخزين، ثم ينثر على حصير أو مئزر ليجف في الظل. مع توالي العمليات يتحول بياض الدقيق إلى ذلك اللون الأصفر الذهبي الذي يدل على جودة ما تبدعه أنامل النساء، كسكس قابل للاستهلاك.
لطقس إعداد الكسكس أناشيد خاصة تنشدها “مجموعة “إست مو” وترددها بشكل جماعي كل المشاركات. هذا الرصيد الغنائي الذي لم تختزن ذاكرة الطفل إلا بيتا من أغاني “خالتي عيشى” حيث تقول: “أتاطفي نلكاس أمزوارو، أداي تمراران إمدوكان”، يا لحلاوة الكأس الأول، حين يتقاسمه الأصدقاء. يشير “الكأس” في العرف المحلي إلى ما يحتويه، الشاي الأخضر المنعنع.
حروب وفتوحات الأزقة
كثيرة هي الدراسات التي أبانت أدوار اللعب في حياة الطفل. فمنها من اعتبرت اللعب قيمة وظيفية تتيح التكيف مع المحيط المادي والاجتماعي، وتذكي قدرة الطفل على اكتساب مهارات حسية وحركية ومعرفية تتيح له بناء علاقات اجتماعية مع أغياره. ومنها من تركز على الجوانب النفسية للعب، بحيث يكون اللعب مجالا لتفريغ الرغبات الممنوعة والتخلص من الشعور بالقهر والإحباط الناجمين عن كل الممنوعات التي تحول دون التخلص منها.
ومنها من يرى في اللعب ممارسة علاجية، تسمح للطفل بالتعبير عن مشاعره ومخاوفه وآماله المحبطة بالتعبير عنها وممارستها وبالتالي التحرر منها. ومنها من ركزت على الجوانب المعرفية للعب بحيث تتطور من خلاله قدراته الذهنية وتبنى مفاهيمه التي يواجه الطفل من خلالها واقعه وعلاقاته. تجمع دراسات الطفولة، إذن، على أن اللعب ممارسة هامة في التنشئة الوجدانية والمعرفية والاجتماعية للطفل. فهل “الحرب” كما مورست في عوالم طفولة لقباب لعبة تزكي طروحات هذه النظريات؟
من الممارسات الطفولية بلقباب خلال الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، حروب الأزقة والحواري. هي حروب نعم على اعتبار أنها كالحروب المعروفة تتضمن ثلاث عناصر أساسية: فاعلين أو أكثر، أدوات مخصوصة، وأهداف معلنة أو مضمرة. وأما الفاعلون في حروب لقباب فهم صبية الأزقة والدروب المختلفة. وأما الأدوات، فهي العصي والحجارة وفي الحالات العصيبة ما يسمى “المقلاع” و”الجباد”.
فأما الأول فيسمى بالأمازيغية “إلي” بكسر وتشديد اللام. وهو سلاح الرعاة يصنع من الدوم يقذف بالحجارة لمسافات طويلة إذا أحسن استعماله. وأما الثاني فلا أعرف له مقابلا في لغة الأمازيغ. تتقدمه عصا في شكل “” وفي طرفه الآخر قطعة من جلد تحمل حجارة، ويجمع أطرافه خيطين مطاطيين يختاران من عجلات الدراجات الهوائية.  وأما الأهداف فكسر إرادة “العدو” واكتساح مجاله ولو لبعض الوقت. ومن الأهداف ما قد يكون شخصيا يختلف من صبي إلى آخر.
ما حفظته ذاكرتي الطفولية الحروب الضروس بين الحليفين التقليديين، صبية درب “الباب أختار” “الباب الكبير” ودرب الحمام من جهة، وصبية درب “موحى أيوسف” من جهة ثانية. لكل فريق زعماؤه وقواده. فأما زعيمي درب الحمام فهما “أ. محمد” رحمه الله و”أ. حميد”. وأما زعيم درب موحى أيوسف بدون منازع فهو “ف. احميدة”. صدق العلماء حينما اعتبروا أن اللعب يشحذ قدرات الأطفال ويعدهم لتحمل مسؤولياتهم فيما يستقبل من أعمارهم. فكل هؤلاء احتفظوا بريادتهم في أعمالهم ومهنهم المختلفة. بحيث أصبح الأول جزارا ذائع الصيت في الإعداد والطهي التقليديين للخرفان المشوية “الشوي” بالإمازيغية بكسر الواو، وأحشائها “إمديهدا” بالأمازيغية. بل أصبح الشواء في قرية لقباب يحمل اسمه الثاني “باقجون”.
والثاني أصبح بائع قماش معروف. وأما الثالث فأصبح فلاحا مقتدرا وراع لأسرة محترمة. ليحتد الصراع وليتأجج وطيس الحروب يصنع كل فريق من خصمه صورة تجعل منه عدوا من الواجب هزمه. لذا اتخذت حروب أزقة لقباب شكل حروب مقدسة ترفع شعار الدين. خاصة وأنها تزامنت مع النكبة الكبرى، هزيمة الجيوش العربية أمام جيش “اليهود” في حرب 1967. فكان كل فريق ينعت خصمه باليهودي الكافر “أوداي”. هي نكبة حتى في أفهام وخلد صبية لقباب فكيف هزمت جيوش خير أمة أخرجت للناس من طرف من حلت بهم لعنة الله فأصبحوا قردة خاسئين، أو إنهم في تصور الصبية الأمازيغ وفي أحسن الأحوال فقط في صور آدمية، “فموشي” اسم اليهودي قريب في منطوقه من “موش” الاسم الأمازيغي الذي ينعت القط. 
كنت “جنديا من جنود جيش درب الحمام”، أأتمر بأوامر “أ. محمد” و “أ. حميد”، الصديقين اللذين لا يفترقان إلا حينما يخلدان إلى النوم في منزليهما. كانا توئمين في مغامرتيهما وشغبهما. حتى أنهما ورثا، على إثر إحدى مغامرتيهما، جرحين غائرين على خديهما. الأول على خده الأيمن في شكل علامة زائد “+” والثاني على خده الأيسر في شكل علامة ناقص “-“. حينما يأمرنا الزعيمين بقرب الحرب أخرج من المنزل بكل عتادي، وأخبر السيدة الوالدة بأنني ذاهب لمحاربة اليهود. لم تكن السيدة الوالدة، أطال الله عمرها، ترى في الأمر خطرا بل فسحة للعب ستريحها من شغبي لبعض الوقت.
حينما يذهب صبية الحي لمواجهة “العدو” مدججين بأسلحتهم وعتادهم، تشحذ الصبيات هممهم بالأناشيد والصراخ والزغاريد: “أيايث أويماضين غرسات إويدينون…” “يا أهل الضفة الأخرى اذبحوا كلابكم…” (لم أعد أتذكر الشطر الثاني من البيت…). بل من الصبيات من كن بارعات في نظم الشتائم والسباب… تشهد الحروب الكر والفر الهزيمة والانتصار حسب عدد من حضر من هذا الفريق أو ذاك، فالكفة تميل لصالح من هم أكثر عددا. وقد يجفو النصر من غاب زعيمهم. فغياب زعيم جيش درب موحى أويوسف، “ف. احميدة” غالبا ما يرجح كفة حينا، فهو من لا يهاب الحجر ولا العصي وإن تهشمت على جسده الصلب.
تنتهي الحروب بتدخل رجال الحي من أصحاب الدكاكين المجاورة درء لخطر الإصابات أو خوفا منهم أن تصاب سلعهم وحوانيتهم بالأذى. بل قد يكون هذا التدخل مجرد ذريعة لفك الارتباط بعد الإجهاد الذي غالبا ما يصيب المتحاربين نتيجة الكر والفر… ليضرب الجيشان موعدا في حرب قادمة، موعد تؤشر عليه الفتيات في بلاغات حربية في صيغة أناشيد : “الميعاد تقادوست” أو “الميعاد ثادكات…” إن كان الموعد قريبا… قد تنتج عن الحروب المقدسة إصابات، جروح وخدوش تعالج على أنها مخلفات لعبة كباقي الألعاب الخطيرة التي اعتاد الصبية على ممارستها، كتسلق جبل “بووزال” المطل على القرية، واكتشاف مغاراته المخيفة، أو قطع المسافة الفاصلة بين القرية ووادي “سرو” أو بحيرة “حرشا”  قصد السباحة، أو السطو على بساتين “عمي أوضاغور”… كلها ألعاب خطيرة غالبا ما تسفر عن إصابات لا تقل خطورة عن إصابات الحرب… لكن الإصابات الناتجة عن الحرب هي على الأقل لتنفيد مهمة مقدسة، محاربة اليهود والثأر لكرامة دنست…
الحرب أخطر لعبة يمارسها الصبية في أزقة ودروب لقباب، قد يقول العلماء أنها مناسبة لتفريغ العدوانية الثاوية في نفوس الصبية. هي عدوانية طبيعية في الإنسان لكن قد “تعلى” sublimation  كما يقول أهل علم النفس، فتنتج سلوكا إيجابيا مقبولا اجتماعيا، وقد تصرف سلبيا فتنتج كل أشكال العصابات والدهانات وغيرهما من السلوكات المرضية والمنحرفة والمذمومة اجتماعيا… لكن لذا صبية لقباب أليست “الحرب” مجرد فسحة لتفجير الطاقات التي كبحتها المدرسة والبيت وغيرهما؟
لما انتقلت للدراسة بخنيفرة، اكتشفت أن الحرب حامي وطيسها أكثر مما عرفته ومارسته في لقباب. فمجالات خنيفرة الفسيحة وفيافيها المقفرة تسمح بالمواجهة حتى الموت دون تدخل أحد لفك الارتباط. فساحة “المصلى” التي تفصل حي “تيعلالين” عن جبل “باموسى” وساحة “الكورس” (سباق الخيل) قبل أن تسيجها المباني الحديثة، كانت مجالات حروب صبية “درب حمرية” وصبية “حي تيعلالين” من جهة، وصبية حمرية وصبية “حي أمالو إغريبن” من جهة أخرى. قد تنشب حرب ضروس تدوم أيام لأسباب “صبيانية” كاقتحام غريب حيا غير حيه، فمن الأحياء الموصدة أبوابها أمام الغرباء حي حمرية فله حماة معروفين بشراستهم وشدتهم على الأعداء. لم أستطع اكتشاف هذا الحي إلا بعد أن اشتد عودي وقاربت السنوات الأخيرة من تعليمي الثانوي بثانوية “أبي القاسم الزياني”.
تلكم فسحة مما استحضرته ذاكرتي ومما عشته في “واقعي” الطفولي، هي نموذج للتأمل فإذا كان الزمان غير الزمان واللعب غير اللعب، أليست الألعاب التي يمارسها صبيتنا في واقعهم الافتراضي، حيث يكون العدو شخصية افتراضية وتمارس العدوانية افتراضيا، أخطر على حاضر ومستقبل بنائهم النفسي. يستعمل الطفل كل أنواع الأسلحة ويعتاد رؤية الدم والدمار فيصبح العنف في عالم طفولتنا ممارسة عادية بل سهلة ومستساغة ومن ثمة أكثر وشما لشخصياتهم ومستقبل علاقاتهم الاجتماعية.
السيدة الوالدة، التراث و”لبن الشكوة”
تحضرني مسامرة رمضانية مع السيدة الوالدة شفاها الله وأطال عمرها. تبادلنا خلالها أطراف الحديث حول بعض عادات وتقاليد قبائل “إشقرن” بمنطقة “لقباب” وقرية “أروكو نآيت إحند” مسقط رأسها. حدثتني عن بعض الطقوس وعن بعض التقاليد التي تشكل موروثا ثقافيا ثريا لأمازيغ المنطقة. كطقوس الزواج وأهازيجه، عادات الأكل وأوانيه، النباتات والحشائش التي تستخدم في تلوين الصوف أو تلميعه، طرق النسج ورسومات الزرابي، طقوس وعادات الاستسقاء وغيرها من المواضيع… وبما أنني أعتبر السيدة الوالدة ذاكرة حية للتراث المادي واللامادي للمنطقة فإنني أحتفظ ببعض ما ترويه حول عاداتنا وتقاليدنا التي يطالها النسيان والاندثار بنية التقاسم.
يتعلق الأمر في هذه الوقفة المتواضعة، بطريقة إعداد ” لبن” بتسكين اللام. مع الحذر درء للخطأ، فإذا كانت الكلمة العربية ” لبن” بفتح اللام، مرادف لكلمة “حليب”، فإنها في اللهجة العربية المغربية تحيل على معنى مغاير. كلمة “لبن” بتسكين اللام تحيل على حاصل الفصل بين الحليب والزبدة بعد تخمير الحليب وتحريكه بطريقة خاصة. يقابل كلمة ” لْبن” في اللغة الفرنسية Le petit lait  .  أما بالأمازيغية المحلية فتسميه قبائل إشقرن  “أغو” بفتح الألف و ضم الغين، أما قبائل زيان فتسميه ” أغي ندون ” بفتح الألف و “أغي” مفردة ينعتون بها “الحليب”.
قد يصعب تحديد إطار دقيق يرسم تاريخ هذه الممارسة الموغلة في القدم، إلا أن الأكيد أن إعداد “لبن” ممارسة عرفتها ثقافات أخرى. فالثقافات الغربية، مثلا، عرفت هذه الممارسة إلا أنها غالبا ما ارتبطت باستخلاص الزبدة باعتبارها مادة أساسية في العادات الغذائية، أما” لبن” فيقدم كمادة لإرضاع العجول فقط… وحسب السيدة الوالدة، إن صناعة “لبن” اكتست لدى أمازيغ الأطلس طابعا خاصا. إنها ممارسة لا تكمن أهميتها في إبراز عادة من العادات الغذائية عند هذه الجماعة البشرية العريقة، بل إنها ترتبط وثيق الارتباط بنمط عيشهم وبمحيطهم الجغرافي والبيئي.
تحتاج عملية إعداد “لبن” أوان ومواعين بسيطة وقليلة وهي: ” ثمسندا” وهي ثلاث أعمدة خشبية صلبة طول الواحدة منها حوالي متر ونصف، يعلو إحداها ثقب دائري أو فجوة تتسع لتثبيت العمودين الآخرين. وقد تتخذ هذه الفجوة شكل الحرف اللاتيني”V ” . أما الآنية الثانية فاسمها بالأمازيغية ” ثيويت” عند قبائل إشقير أو “ثكشولت” حسب قبائل زيان. وهي “قربة” يختلف حجمها باختلاف الأسر وكمية “لبن” المراد إعداده. تصنع “ثيويت” من جلد الخرفان أو الماعز، وغالبا ما تفضل المرأة الأمازيغية جلد الماعز لمتانته وقدرته على التحمل. لكن هناك من يستحسن جلد الخروف أو الشاة للذته حين الرغبة في إعداد أكلة محلية و هي الكسكس بالشكوة أو “أفتال نثيويت” . وأما الآنية الثالثة فهي حبال تستعمل لتعليق ” ثيويت ” وث
تثبيتها على ” تمسندا”. غالبا ما تصنع هذه الحبال من الصوف المطعم بوبر الماعز وتتميز بالمتانة رغم رقتها. تعلق “ثيويت” من رجليها الخلفيتين ومؤخرتها ومن رجليها الأماميتين. وتبقي المرأة على الفتحة الأمامية، ما كان عنق البهيمة، مقفلة حين التحريك أو مشرعة لمراقبة المنتوج أو سكبه.
ككل القرب يحتاج إعداد ” ثيويت ” لترتيبات خاصة: تبدأ منذ لحظة نحر البهيمة، حيث يطلب ممن يقوم بعملية سلخ البهيمة الحرص والتريث قصد الحفاظ على سلامة الجلد من إي ثقب. بل إن عملية السلخ غالبا ما تبدأ بالقول التالي: “هل ترغبون في قربة أو شكوة؟”. بعد ذلك تسرع المرأة في إعدادها بتنظيفها، قبل أن يجف الجلد وقبل أن يتعفن درءا للروائح الكريهة التي قد تؤثر سلبا على جودة “لبن”. ثم يرقد الجلد ويخمر في خليط من الماء والملح ومادة تدعى ” ثينوات”. “ثينوات” هي دقيق يستخلص من طحن قشور شجرة الأرز أو العرعار. تتميز ” ثينوات” بطيب مذاقها وجمال رائحتها، بالإضافة إلى قدرتها على تعقيم “ثيويت” وتنظيفها من الشوائب. تفضل النساء الأمازيغيات “ثينوات” المستخلصة من قشور شجرة العرعار لنكهتها الخاصة ولمذاقها الأطيب. بعد بضعة أيام تقوم المرأة بحك الجلد بأحجار الملح قصد تخليصه من الصوف أو الوبر، ثم تغسل بعناية بالماء. وأخيرا تجمع ويحكم إغلاق مؤخرة “ثيويت” ويبقى العنق هو الفتحة الوحيدة التي تستعمل حسب الحاجة.
كغيرهم ممن يعتمد نمط عيشهم على الرعي، يعتبر الحليب مادة غذائية أساسية عند الأمازيغي. لذا تقوم المرأة بجمع ما يفضل عن الاستهلاك اليومي، قصد إعداد “لبن”. تتفاوت مدة الجمع حسب كمية الحليب الذي تنتجه العائلة وحسب عدد البهائم التي تمتلكها. غالبا ما يخزن الحليب لبضعة أيام في قدرة من الطين توضع في مكان دافئ، إذا كان الطقس باردا، قصد تسريع عملية التخمير. يسمي الأمازيغ الحليب المخمر “إكيل” بكسر الألف. بعد ذلك، تعد المرأة “تمسندا” ثم تعلق “ثيويت” و تسكب ” إكيل” بداخلها.
وبعد إحكام إغلاق عنق “ثيويت” تقوم المرأة بتحريكها حتى انتهاء العملية. تسمى هذه العملية  “أسندي”. إنها حركات متكررة ومتأنية نحو الأمام ثم نحو الخلف. ويمكن للمرأة أن تضيف بعض الماء الدافئ إذا أحست أن الخليط بارد. كما أنها قد تستعمل الماء البارد قصد جمع الزبدة إذا أحست أن حرارة الخليط تحول دون تكثيف الزبدة أو تعيق إتمام عملية “أسندي”. و بعد أن تلاحظ المرأة أن حبات الزبدة بادية، تقوم بتحريك ” ثيويت “بشكل دائري قصد تجميع حبات الزبدة، ثم تفرغ الكل في إناء ثم تعزل الزبدة بجمعها باليد في شكل كرة.
غالبا ما يتم الخلط بين كلمة “زبدة” وكلمة ” اسمن”. تسمي قبائل إشقرن الزبدة ب” ثالبيشت” أما ” أوذي ” فيسمى بالدارجة العربية ” اسمن” أي الزبدة المملحة و المعتقة. تعتق ” ثالبيشت” في قدر طيني لمدة قد تستمر سنوات. ويعتبر وجود ” أوذي ” في الخيمة الأمازيغية رمزا للثراء والأصالة. و مما يبرز أهمية “ثالبيشت” كمادة غذائية مهمة عند الأمازيغي نعته للجمال بهذا الاسم ، فيسمي الفتاة الجميلة ب ” ثالبيشت” أو الفتى الوسيم ب ” ألبيش”.  
“ثينوات” والملح مواد تصلح لتنظيف “ثيويت” حين تحس المرأة بتغير نكهة ومذاق “لبن” . فتغسل ” ثيويت” ثم تحكها بالملح و”ثينوات” بعناية ثم تغسلها بالماء. هكذا يترك الملح وثينوات نكهة وعطرا يضفيان على اللبن ذوقا جميلا و لذيذا.
يمكن ل”ثيويت ” أن تكون مكونا أساسيا لأكلة محلية شهية و هي ” أفتال نثيويت” أي الكسكس بالشكوة. ما يميز هذه الأكلة هو تعويض اللحم ب”ثيويت” ، أما باقي المكونات فهي نفسها التي تعتمد لإعداد الكسكس الأمازيغي يالحليب. بعد طول استعمال، تغسل “ثيويت” بعناية ثم تعطر بورق “فلييو” و تترك في الظل لتجف ثم تخزن في خرقة نظيفة إلى حين الرغبة في إعداد كسكس ثيويت.
لمَّة بإيقاعات فرقة الحدادة
للرجال في قرية لقباب أمسياتهم ولماتهم. تؤثث فضاء هذه الأمسيات فرقة “الحدادة”. فرقة يمارس أغلب أعضائها مهنة الحدادة يوم كانت رحبة الحدادة بلقباب تستقطب العديد من الزبناء وتشغل العديد من الشباب. أفل نجم رحبة الحدادة بعد أن تخلى قرويو المنطقة عن بهائمهم وعن محراثهم الخشبي، لصالح وسائل النقل والجرارات الحديثة. لم يعودوا في حاجة إلى «ثايرسا” سكة المحراث الخشبي ولا إلى “أسمر” لحماية حوافر دوابهم.
لم تكن فرقة “الحدادة” تلهث وراء المال حيث تستدعى لإحياء أمسية، فكل منازل لقباب منازلهم وكل الأفراح والأعراس أفراحهم وأعراسهم. يحضرون للاحتفال كما يحضر جل شباب لقباب لإحياء ليلة زميل لهم أو جار أو قريب. كانت الأعراس والمناسبات دعوة عمومية للفرح ولم تكن هناك حاجة لمنصة تعلوها فرقة فنية وباقي المدعوين متفرجين، فالكل فنانون والكل يشارك في إحياء الفرح وتقاسم البهجة. انطفأت شمعة فرقة “الحدادة” بعد أن تغيرت العادات ولم يعد الحال هو الحال، فاستأسدت ثقافة “مموني الحفلات” و” النكافات” وهي عادات غريبة عن لقباب.
كانت إيقاعات “فرقة الحدادة” سريعة وتثير الأجساد للرقص والتفريغ، بآلات بسيطة يتقدمها “المقص” وتصاحبه “الطعارج” وأيدي من لم يحضر آلته. إيقاعات ونغمات تهز الوجدان وتحرك النفوس المتبلدة. عميد فرقة الحدادة كان هو المرحوم “عمي بناصر”، كانت أنامله التي أثخنها الحديد وحوافر الدواب، تصول وتجول في كل مقامات وأنغام “الطعريجة” و”لمقص”. نادرا ما يغيب حداد عن أمسيات مجموعته، فيحضر “محمد أوختار” و”مولود حطرباش” وغيرهما، وقد يرافقهم طلبة وموظفون من أبناء لقباب ممن يستهويهم الإيقاع ويتقنون فنون الفرجة ودروب البهجة.
لم تكن مهمة أعضاء فرقة الحدادة تقتصر على التنشيط فقط، فهم أهل الدار ومنظمو الحفل، فأعلب شباب لقباب أصدقاء وأقارب أو لنقل إنهم يعيشون علاقاتهم كأنهم كذلك. فمنهم يختار في أغلب الأحيان “وزير مولاي السلطان”. “الوزير” مهمة يتكلف بها أقرب أصدقاء “مولاي السلطان” وهو نعت يطلق على العريس في ليلته الكبرى. مهمة اندثرت مع باقي العادات والتقاليد التي طواها زمن التحضر فغمرها النسيان. فالوزير هو أمين سر مولاي السلطان في ليلته والمكلف بالمهام الصعبة.
كانت أمسيات نساء ورجال لقباب تعبر عن نمط خاص للحياة سادته البساطة والعفوية والتآزر. لم تكن المناسبات تكلف الكثير من المال فألف الناس القناعة بالقليل واستهجنوا التكلف والبذخ واستطابوا التعاون. قبل أن توصد أبواب البيوت في وجه الجار والقريب وضيف الفجأة، ويقبع كل في عزلته وهمومه.
“لخضر” ولحن الحب والموت والسياسة
شخصية استرجعتها ذاكرة الصبي، بعد مسامرة حلوة مع بعض أبناء لقباب. إنه الملقب قيد حياته “لخضر”. لم يكن ” لخضر ” من السكان الأصليين، ولم يكن من وجهاء لقباب ولا رجل سياسة. يتقاسم ” لخضر” مع متشردي لقباب دكاكين درب القيسارية، إنه من المهمشين الذين ساهموا في رسم لوحة بهية وشمت ذاكرة لقباب، بحمق وأناة…
شخص رشيق القوام، أنيق الملبس، غريب الأطوار. كان “لخضر” يهوى العزلة ويحب السلطان. اسم غريب ذاك الذي التصق بذلكم الرجل “لخضر” فليس في شخصيته ما قد يوحي به اسمه. فهو ليس وليا من أولياء الله الصالحين ذوي العمائم الخضراء. ولا من مريدي ” سيدي الشيخ” وقد كانوا كثرا بلقباب. ولا «نيئا” كما يستفاد من الدلالة العامية للكلمة، تزيغ عيناه حيث ما حرم الله. فهو رصين في نظراته، هادئ في عشقه وحمقه.
شخصية ترسم سمفونية غريبة يمتزج فيها لحن الحب والموت والسياسة. اعتاد ” لخضر” زيارة المقبرة التي تتوسط القرية. حيث ينجب ربيعها من الموت، شتى صنوف الأزهار والرياحين والجمال. يختار ” لخضر” من أزهار المقبرة أجملها وأبهاها. ليؤلف باقة تعكس فيض عشقه وجموح هيامه. عشق لشخص السلطان محمد الخامس. الملك الذي كان يمثل آمال المغاربة وتطلعاتهم للحرية والانعتاق. لكنه عند “لخضر” يحيل على دلالات أغنى من ذلك…
يحمل ” لخضر” صورة الملك، المرصعة جنباتها بتلك الرسوم والخطوط التي تشبه رسومات وخطوط المصحف. صورة الملك بطربوشه الوطني وجلبابه الأصيل وهيئته التي تفوح وقارا وقداسة. يرصعها، بكل حب وبكل لطف، بتلك الباقة التي قطفها، زهرة زهرة، من حديقة الموت البهية، مقبرة لقباب. ويضمهما إلى صدره. منظر سوريالي غريب هو منظر “لخضر” وهو يغادر حديقة الموتى بجلبابه الأنيق وقامته الوسيمة وعلى صدره صورة السلطان مزينة بباقة أزهار جميلة، يطوف دروب القرية بهدوء يزعج سكون أزقتها وبكل ما يقتضيه عشقه من وقار وقداسة. وكأن لسان حاله يقول: ليس في الفؤاد متسع لحب غير حب الوطن
ظاهرة التشرد
في مأدبة (صدقة) أقامتها عائلة من لقباب للتأبين والترحم على روح فقيدة لها، شاءت الأقدار أن ألتقي ثلة من أبناء مسقط رأسي تبادلنا خلالها أطراف الحديث حول مجموعة من المواضيع تبدو غير ذات أهمية إلا المسامرة وقضاء وقت للذكرى ليس إلا. لكن بعض تلك الموضوعات كانت تثير ظواهر اجتماعية تستحق التفكير والمسائلة، منها ظاهرة التشرد في مجتمع مغلق تقليدي هو مجتمع قرية لقباب خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي.
أرجعتني ذاكرة الطفل لعقود خلت عايشت خلالها أسماء كانت تؤثث المشهد السكاني للقباب ولم أكن حينها أصنفها ضمن من يمكن أن أنعتهم بالمتشردين، فمفهوم التشرد كان غريبا عن قاموس الطفل الذي كنته. تذكرت بعض الأسماء “كأحمد” الملقب آنذاك “بلقرع”، واليهودي “مسعود”، و”موحى أوحماد” الملقب “بالطاوة”، و”علي” المنحدر من منطقة قرب لقباب تسمى أضراس، و”أوعبا” (بتشديد الباء) هو من بقي منهم حي يرزق.
فما معنى أن تكون متشردا؟ هل التشرد ظاهرة حادثة أم متأصلة في مجتمع مثل مجتمع لقباب خلال القرن الماضي؟ ألا يمكن أن نربط التشرد بتغير البنيات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعي؟ هل كان من الممكن أن نتكلم عن ظاهرة التشرد في الجماعات القبلية التقليدية؟ ألم تكن هناك بنيات اجتماعية لاستيعاب التشرد ومعالجته مسبقا؟ هل يمكن أن يكون تتبع بعض الحالات التي عاشت بلقباب مداخلا لفهم ظاهرة التشرد؟
غالبا ما ينظر إلى التشرد كآفة من الآفات الاجتماعية الخطيرة التي تهدد الأسر والمجتمعات، لكن هل كان التشرد في مجتمع كمجتمع لقباب ظاهرة خطيرة كما تنعت الآن؟ يصنف التشرد والتسول ضمن الممارسات التي يجرمها القانون المغربي.  فقد عرف المشرع المتشرد، بكونه من ليس له محل إقامة معروف ولا وسائل للتعيش ولا يزاول عادة أية حرفة أو مهنة رغم قدرته على العمل، إذا لم يثبت أنه طلب عملا ولم يجده أو إذا ثبت أنه عرض عليه عمل بأجر فرفضه.
فمن خلال تحليل بسيط لهذا التعريف يمكنني أن أسقط عن مشردي لقباب صفة الإجرام. فجريمة التشرد تتأسس على ثلاث أركان: عدم توفر المتشرد على مأوى وعلى وسائل العيش، وكونه ثالثا لا يزاول أي عمل رغم قدرته على ذلك. فأما الشرط الأول فكل متشردي لقباب كانت مآويهم معروفة، وإن كانت حوانيت ضيقة هجرها تجارها بعد أفول عهد الازدهار التجاري لحي القيسارية. وأما شرط العمل فمنهم من كان يقوم ببعض المهام إن وجد من يشغله، وأما الباقون فيتعذر عليهم ذلك لاعتبارات مختلفة، بهذا يسقط حتى ركن القدرة.
كان أقدم متشرد حفظته ذاكرة الطفل، “الحاج مازار”. رجل مسن أشعث أغبر، متسخ متلبد جلبابه بما يشبه الذهن حتى كنت أخاله كباب متصلب يواري سوءته النحيفة. مأواه دكان مظلم. فرض عليه ضيق المجال أن يتخذ من مدخله مطبخا، به موقد صغير. لم يكن الحاج مزار خطرا على المجتمع، إلا علينا نحن الصبية حين كنا نتخذ بشغبنا من موقده هدفا لحجارتنا فنحرمه التمتع بما كان يعده عليه. لقد كنا نستهجن أن يسمى “حاجا” وهو من لم يزر بيت الله. رغم أن هذا الاسم كان متداولا ولا يحمله بالضرورة من زار مكة وطاف بالبيت العتيق ووقف بعرفات.
فمن عادات العديد من الأسر تسمية مولودها الجديد باسم يخلف به عزيزا توفي. كانت عصا الحاج ما زار” خطرا على أضلع الصبية. لكن رغم ما كانت تسببه من ألم حين تصيب هدفها، كنا نغيظه ونستثير حنقه حين نردد أمام مطبخه: “وا الحاج ما زار”… لم يكن “الحاج ما زار” ذا حرفة أو مورد رزق إلا عطايا وصدقات أهل القرية، بها كان يضمن قوت عيشه: “مرميطة” قدر به مرق وبعض الخضر وفي أحايين كثيرة قطعة لخم أو شحم، وإبريق شاي “الدكة” أو “التلصيقة” كما تسمى في عرف المدخنين، آخر كوب شاي يحافظ عليه المدخن برشفات صغيرة تسامره في ليالي لقباب الطويلة حتى وإن أصبح الشاي باردا كالصقيع. كان الحاج مزار غريبا عن القرية، ولربما جاء من منطقة تادلة وهذا ما كان يستشف من لهجته وطريقة نطقه وسبابه.
أما أحمد الملقب “الأقرع” فكان هو كذلك غريبا عن القرية، وكان عربي اللسان. لم يكن متسولا بل كان حمالا “زرزاي” يساهم في شحن وتفريغ الشاحنات التي كانت تحمل حبوب لقباب إلى مناطق مختلفة من البلاد، حيث كان قمح لقباب ذا جودة عالية ومطلوب في كل الأرجاء قبل أن تسود الأصناف المستوردة. وتطغى التغيرات المناخية لتسدل ستار رواج “رحبة الزرع” أي سوق الحبوب.
وكان هذا السوق يستقبل العديد من الشاحنات ويوفر عملا مستمرا للعديد من الأسر. وحده “الأقرع”، من بين متشردي لقباب، من كان يشكل بعض الخطورة على المارة، بالحجارة التي كان يطلقها من يديه كالقذائف حينما يستثار غيضه بنداء “وا لقرع”. كان ينزوي باستمرار في ركن مشمس من أركان ساحة “السوق” يلف حوله جلبابا صوفيا رثا ويخفي بطاقية بالية ما تبقى له من شعيرات نتيجة مرض السعفة “التونية”.  
من متشردي لقباب المعروفين خلال ستينيات القرن الماضي “مسعود”. رجل خمسيني أو يكاد ضعيف البنية قصير القامة، سليط اللسان، يهودي الملة. كان كذلك ممن تأويهم دكاكين درب القيسارية. كان متسولا متمسكا بملته، فكثيرا ما كان المتصدقون يربطون صدقاتهم بالنطق بالشهادتين فيأبى. رفضه هذا وتمسكه بدينه هو ما كان يجر عليه شغب أطفال القرية باستمرار. اختفى مسعود فجأة عن الأنظار فقيل وقت ذاك أنه رُحل إلى إسرائيل والله أعلم بمصيره.
قد يكون العوز هو ما انتهى بهؤلاء ليعيشوا التشرد بلقباب، لكن غيرهم من متشردي لقباب من كان سبب تشردهم غير ذلك. ف”موحى أوحماد” الملقب “بالطاوة”، و”علي”، فكانا ساذجين معتوهين ساقهما هبلهما إلى لقباب فاستطابا التشرد به. كان شعار الأول ولازمته الدائمة: “إفستي أخاجي” بلسان أمازيغ المنطقة الذين ينطقون اللام جيما. هي ترجمة بلسان الأمازيغ للمثل العربي  “الصمت حكمة”. فكل القوم أخواله، كان يستجدي الصدقات بترديد لازمته “إفستي أخاجي” (الصمت ياخالي)، واضعا كفه أمام فيه ليداري فائض اللعاب الذي يسيل منه على الدوام. أما “علي” فكان كالأبكم ينطق كلاما غير مسموع كأنه يكلم شخصا يقاسمه عوالمه الخاص. لم يكن “موحى أوحماد” ولا “علي” خطيرين على الجماعة، بل كانا ودودين لا يسمع لهما حفيف، يختفيان عن الأنظار حالما غنما قوت لحظتهما.
و”لأعبا” قصة طريفة كان ولايزال شابا لطيفا مسالما ذو شفة أرنبية تعيق نطقه السليم. فما جاء به إلى لقباب رغبته في المرح و”النشاط”، حسب اعترافه. يردد باستمرار “شْضَخْ” ويقصد أنه سعيد مبتهج، وليس منطوق الكلمة التي تعني أنه انزلق، ربما ينزق عبر شفته حرف النون لتدل الكلمة على معنى غير الذي يقصده. يتلخص المرح والبهجة في عرف “أوعبا” في ارتشاف سجائر “كازا” وهي أرخص أنواع التبغ، واحتساء بعض كؤوس “الميكا” وهي أرخص أنواع الخمر الأحمر، أو “الماحيا” وهي الإرث اليهودي الذي يواسي الفقراء في لياليهم.
القاسم المشترك بين متشردي لقباب أنهم غرباء. كونهم غرباء “براني” هو ما قذف بهم في عالم التشرد. فمن أبناء لقباب من كانوا أكثر عوزا وأكثر هبلا وحمقا ولم يعيشوا التشرد. فالعلاقات الأسرية والبنيات الاجتماعية التي كانت تطبع المجتمعات التقليدية والقبلية كمجتمع لقباب لم تكن لترضى التشرد لأبنائها. للتشرد بعد اجتماعي وثقافي عميق يحدده الانتماء والقرب من الجماعة، أليس المشرد من فقد انتمائه لسبب من الأسباب وتقطعت به الأوصال؟
ألم تكن علاقات الإنتاج في المجتمعات القبلية التقليدية سدا واقيا من آفة التشرد؟ كأمزال وأمحارص وغيرهما من العلاقات. حيث يحتمي الغريب الوافد في أحضان القبيلة تزوجه وتضمن له قوته في مقابل ما يقوم به من مهام… ألم تكن القبيلة منفتحة بحيث تستوعب الغريب وتحتضنه؟
“إست الموي”
الإعداد لحفل “الختان” أو “الزفاف” مناسبتان تفرضان حضور “إست الموي”. آنذاك لم يكن لمموني الحفلات ولا “لتريتورات” وجود فكانت نساء الأسرة المحتفلة هن من يقمن بإعداد كل لوازم الحفل من مؤن: دقيق لإعداد الخبز، كسكس… وكل المواعين اللازمة للحفل بحيث تستنفر الجارات ويحضرن مواعينهن بعد أن يضعن عليها علامات لكي يسهل استرجاعها ولا تختلط بمواعين غير مواعينهن. قد يستغرق الإعداد أسبوعا أو أكثر تتعاون الجارات والقريبات في الإعداد للحفل بمرافقة نغمات وأناشيد فرقة “خالتي عيشة” سأحاول ترجمة الأفكار رغم عسر المهمة:
  • أتطفي ناللوز مشيلا خف اوسكلو اويدا / أفوسينو إغزيف أدارينو إيزول أويدا.
  • (يا لحلاوة اللوز على غصن الشجرة أويدا/ يدي طويلة ورجلي قصيرة أويدا)
  • مايد ايسيير ونا اوريحميل أويدا / الروح آيد إعزان أوراسيلي يوفوس أويدا..
  • (ماذا بيد من يكرهني أويدا / روحي أعز ما أملك لايملك لها قدرة أويدا)
  • ايايت اغرمان اسرتنايم والو/ توتايي عيشة سنكابوس تبي يولينو
  • (يا أهل الدوار ألم تشاهدوا شيء/ أصابتني عيشة برمية في قلبي)
تشارك فتيات الجيران والأقارب في الحفل بتزيين شعرهن بقطع فضية “لكريشات” بعد تصفيف الشعر فيما كان يعرف “بتونزيوين”، لم أجد مرادفا لها في اللغة العربية. وهي ضفائر قد تكثر أو تقل حسب كثافة شعر الفتاة تلصق بها “لكريشات”. ينطلق الحفل “بثامغروست” “الذبيحة” يحضرها الجيران والأقارب. ينحر كبش أو ثور حسب الاستطاعة وحسب عدد الضيوف المزمع استضافتهم. وغالبا ما تبدأ الولائم “بالطلبة” والتبرك بالقرآن ثم النساء ثم الرجال ثم مراسيم الزفاف أو الختان وستكون موضوع تدوينة قادمة.
شعبانة وفرقة “إست مو”
 لم تكن شعبانة عادة محصورة في مراكش والمدن العتيقة، بل كانت نساء لقباب يحيين شعبانة هن أيضا. هي ليلة تقام خلال شهر شعبان وقبيل شهر الصيام. تطلق عليها “إست موي” اسم “ أيدود نسيدي بويعقوب “. فكانت هذه “اللمة” نسخة مصغرة عن موسم الولي الصالح سيدي بويعقوب دفين منطقة أسول بإقليم الرشيدية. بل إنهن يضفين طابع القدسية على هذه اللمة ويسمينها “نحيدج نلمساكين” “حج المساكين” بلغة أهل “قصر موي” الذين ينطقون اللام نونا. حيث تنشد قائلة: أسيدي بويعقوب / الحدج نالمسكين .
ترحب نساء الأسر الميسورة باحتضان وقائع إحياء شعبانة في بيوتهن. تكون فيها مساهمات النساء المشاركات في أغلب الأحيان عينية، هي عبارة عن قطع لحم أو قليل من الدقيق أو قطع من السكر وعلب الشاي أو ما تيسر لهن من النقود… وغالبا ما تكون مساهمات النساء سخية بحيث تساعد على إعداد ما يكفي من الطعام وكؤوس الشاي اللذيذ. بل قد ترسل من تعذر عليهن الحضور مساهماتهن طلبا للبركة وللدعاء لقضاء حوائج قد يعلنها أو قد يخفينها.
تكتسي شعبانة في لقباب طابعا روحيا استعدادا للصيام والقيام بحيث تتضمن فقرات الأمسية أذكارا وأمداحا وفواصل للدعاء لمن طلب ذلك، ولكن هذا لا يمنع الاحتفال والغناء والرقص للترويح عن النفس، فكل النساء هن محجبات ويتصيدن مثل هذه المناسبات لفك عزلتهن ولإظهار ما تخفينه من زينة وحلي. فكانت اللمة ذاتها هي الغاية من إحياء “شعبانة”. ولم تكن خالتي عيشة وفرقتها استثناء في ذلك، وهي التي لا تروم من وراء عملها التطوعي اي ربح مادي أو مصلحة آنية، بل كل غايتها في ذلك ان تظفر ولو بالنزر القليل من الاجر والثواب، والفرح والأنس. كما لم تكن الأطعمة المقدمة مثارا لملاحظات النساء ونميمتهن، كما هو حال المناسبات الآن، بل يكتفين بما تم إعداده من عائدات التبرعات والمؤن مما قد يكثر أو يقل.
وفي جو معطر بنفحات روحانية، فإن الحفل لا يمر إلا وقد اخذ نصيباً وافرا من الأمداح والابتهالات تحت امرة وقيادة المايسترو “عيشى الداش”. وعيشة الداش التقية الورعة، هي ايضا عيشة الفكاهية البارعة في نسج المستملحات والطرائف، حيث تطلق العنان لسليقتها لتفجير بعض ما بداخلها من مخزون التندر والتنكيت والاضحاك، فتملأ الجو مرحا وانتشاء بين الحاضرات. ما قد يفجر ضحكات النساء التي قد تتخذ شكلا هيستيريا يتردد صداها حتى بعد انتهاء الحفل بأيام.
فغالبا ما تردد النساء عبارة: “ثنات خالتي عيشى” ” قالتها خالتي عيشى” حين يتذكرن أقوال و”نكت” المايسترو “عيشى الداش”. وأما الآلات الموسيقية التي تعتمدها فرقة “إست موي” فكانت بسيطة بساطة عيش الناس: “طعريجة” أو “الطبلة” باللغة العربية و”صحون” معدنية تقرع بملاعق كما تقرع بالكؤوس… آلات تنتج أنغاما تهز وجدان النساء وتفجر نشوة أجسادهن.
لقد شكلت فرقة “عيشى الداش” لحظة مميزة في تاريخ قرية لقباب. ذلك أن فرقة “است مو” قد بصمت ظاهرة فريدة في تاريخ لقباب. وهي الظاهرة التي افرزتها وضعية نساء هن نتاج مجتمع تقليدي محافظ مغلق كمجتمع لقباب الذي سيطرت فيه قيم “الحجوبية” و”اللثام” على قيم المجتمع الأصلي الذي فرض نمط عيشه قيما مغايرة. فحتى على مستوى اللغة لم أعثر في اللغة الأمازيغية على مرادف لكلمة “حجاب”.
حكاية سياسي اسمه عمي غازي
غالبا ما يقال إن التاريخ يكتبه المنتصر، وهذا قول سديد، فالتاريخ يُستقى من أقوال وأفعال الزعماء والقادة والنافذين في الجماعة، لكن ألا نوصد بهذا القول نوافذ هامة من تاريخ تلك الجماعة؟ ألا يُطبع تاريخ الجماعة بوشم مهمشيها ومقصييها بل وحمقاها؟ يعلمنا تاريخ الأفكار أن الحكمة والعبر يمكن أن تستقى من أفواه هؤلاء. لم لا والعقل تحيل دلالته في لغة العرب على العُقال، أي ما به تُعقل البهيمة وتُربط، وبذلك قد يكون تكبيلا للحقيقة أو على الأقل قد يجُنها… وفي سياق الكلام عن الحاضر تعلمني ذاكرة الصبي الذي كنته أن أحد مقصيي زمان بقرية لقباب “عمي غازي” الملقب ” ببويغيال” (مالك الحمير).
لا يسعني المجال ولا أملك المعاول المنهجية للقيام بتحليل سيكوسوسيولوجي للسلوك الحزبي ولكن أطرح تساؤلات وأعبر عن بعض ملاحظاتي ومشاهداتي انطلاقا مما خزنته ذاكرة طفل، عايش بدون وعي منه الصراع بمعاول سياسيي لقباب خلال ستينيات القرن الماضي. فهل يمكن أن نعير ونقيس الحاضر بالماضي؟
كان عمي غازي رجلا مسنا ضعفت قواه وتهشمت عزيمته على جدار واقع يأبى أن ينساق مع آمل وتطلعات كرس حياته لتحقيقها. أتذكره بجلبابه الأبيض الرث وعكازه الطويل ورزته (عمامته) البيضاء البالية، دائم الجلوس أمام منزله وتحت رحمة أشعة الشمس الدافئة بدرب الحمام قرب زقاق مشهور بقرية لقباب اسمه ” زنقت تانقمورت” (الزقاق الضيق). لم تشفع له لحيته البيضاء الكثيفة من شغب أطفال لقباب. ما أن يدفع عنه فرقة حتى تعاود أخرى فتحرمه التملي بأشعة شمس لقباب التي تريح بدفئها ألم مفاصله التي أتخنها الجري وراء نداءات زعيمه وقائد حزبه المبجل.
عمي غازي كان مناضلا “شوريا” حتى النخاع. كنا نثير غيضه حينما نقترب منه على حين غفلة ونصرخ: “تسقط الشورى”، لم تكن صبية لقباب تفهم آنذاك، أنها تقصد حزبا وطنيا كرس مناضلوه حياتهم للدفاع عن مبادئ حوربت بشراسة. فيتبعنا متثاقلا مهددا بعكازه الطويل فنهرب لتعاود فرقة أخرى نفس الصرخات ليقوم ثانيا وثالثا، متثاقلا مهددا حتى يعيا وتخر قواه أو تنهر عنه المارة فلول المشاغبين. 
ما يهم في شخصية عمي غازي ليس الزعيم السياسي الذي يرتبط به في علاقة ولاء تام. فلم أستطع أن أتبين ما إذا كان زعيم حزب الشورى آنذاك قد زار لقباب أم لا. بل ما يهم هو الولاء ذاته والانتماء عينه. كيف عاش ” عمي غازي” هذا الولاء وكيف تكبد تبعاته وويلاته ولو على حساب شخصيته وكرامته وموقعه داخل الجماعة.
يعلمنا التاريخ، أن المغرب شهد صراعا قويا ودمويا بين حزبين كبيرين، حزب الاستقلال وحزب الشورى. صراع خلف ضحايا كثر تمثلت ذروته فيما كانت تسميه قصاصات الأخبار ” مذبحة سوق أربعاء الغرب” يوم 23 يناير 1956، مذبحة راح ضحيتها العشرات من الشوريين والعديد من الجرحى. فاجعة ألهمت الكاتب المغربي إدريس الكنبوري رواية عنونها ” زمن الخوف”. كان الصراع بين الحزبين صراعا بين تصورين لمستقبل المغرب وآليات بنائه.
ففي الوقت الذي شارك فيه حزب الاستقلال في مفاوضات “إيكس ليبان” حول استقلال المغرب، كان حزب الشورى رافضا لها. فاتهم الشوريون حزب الاستقلال بالإقدام على إبرام اتفاق مع المستعمر الفرنسي للحصول على استقلال ناقص يخول للاستقلاليين امتيازات ومكاسب، تجعل من الحزب السلطة الوحيدة بلا منازع. في حين كانت أدبيات حزب الشورى تؤكد على مبدأ “حكم الشعب بواسطة الشعب لتحقيق الديمقراطية على أساس الشورى”. فأُسست التحالفات وأبرمت الاتفاقات بين الشوريين وزعامات سياسية أخرى ضد حزب الاستقلال.
لم تسلم قرية لقباب من امتدادات هذا الصراع، إلا أنه كان يمارس بأسلحة “قبابية” أصيلة. كان الصراع السياسي بين شوريي لقباب و استقلالييه حادا لكنه، بحمد الله، لم يخلف جرحى ولا ضحايا في الأرواح. بحيث كان يقوم الصراع الحزبي على التشهير بالشخصيات ذات المواقف والانتماءات السياسية المغايرة. أو تبخيس تصوراتهم من خلال استصغار انتمائهم العرقي أو تحقير لون بشرتهم أو الاستهزاء بالمهن التي كانوا يزاولونها… فكان الشوري “عمي غازي” ينعت “ببويغيال” (مالك الحمير). لأنه كان يملك “فندقا” (مربط يودع فيه مرتادو سوق لقباب الأسبوعي بهائمهم).
كان الصراع السياسي يتم من خلال ربط شعار حزب ما أو اسمه بشخصية وقد تم تبخيسها: كربط شعار “تسقط الشورى” بالنعت “بويغيال”. ومن جهة أخرى كانت مواقف حزب الاستقلال تنتقد من خلال ربطها بشخصية “الصحراوي” أو “الحرطاني” إشارة إلى سفلة القوم وغوغائها من العبيد السود، نحن نعلم ما لهذه الكلمة من حمولة أخلاقية سلبية، رغم أنها لم تكن في أصلها كذلك: فالحرطاني هو شخص حر من الدرجة الثانية: الحُر الثاني، لا يعني بالضرورة العبد الأسود. يتم استغلال هذه الحمولة الأخلاقية للغة الحرطاني لتبخيس مواقف حزب الاستقلال، على اعتبار أن أغلب مناضليه في لقباب من أصول صحراوية وفدوا من منطقتي “غريس” وتافيلالت على الخصوص.
الانتماء الحزبي واقعة مستحدثة في تاريخ العلاقات الإنسانية في بلدنا، لدى الأمازيغ كذلك ولدى إشقير على وجه الخصوص. يعود ميلادها في اعتقادي إلى ما عرف في تاريخ لقباب “بثين ملويت” (أحداث وواقعة ملوية) حيث حاولت السلطات الاستعمارية تطبيق إصلاح زراعي يطال منطقة ملوية وهي ملك جماعي لقبائل إشقير، ومجالهم الحيوي ومرتع قطعانهم خلال فصلي الربيع والصيف. استثمر حزب الاستقلال هذه الواقعة وحرض السكان ضد السلطات الاستعمارية فحقق بذلك تغلغله وسيطرته السياسية في مجال قبائل إشقير. فتحول مطلب إلغاء قانون الإصلاح الزراعي إلى مطلب سياسي بعودة المغفور له السلطان محمد الخامس من منفاه وتحقيق السيادة الوطنية والاستقلال.
لقد عوض الانتماء الحزبي والولاء للزعامات السياسية، الانتماء للقبلية والولاء للشيخ ولكبراء القبيلة (إجماعن). لكن ما يوثق العلاقات ويقوي عراها ظل راسخا لم تغيره ماكينة التحديث ولا العصرنة. فإذا كانت العلاقات الحزبية في الدولة الحديثة تقوم على التعاقد كمبدئ وضعي مبني على المصلحة المشتركة بين المتعاقدين، فإن ما كان يؤسس الانتماء الحزبي عندنا ولا يزال مبادئ جردها سياسيو اليوم من مبناها الأخلاقي والثقافي الرفيعين: موثق وعهد مشفوع بسورة الفاتحة والصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من جهة وتقاسم الطعام من جهة ثانية: “تعاهدنا وتقاسمنا الطعام” (نشا لعهد نشار الطعام).
وهو تقليد متجذر في ثقافة وعادات أمازيغ المنطقة. هكذا ارتبط استقلاليو لقباب بعلال الفاسي وحزب الاستقلال، لقد صك الانتماء والولاء، ليس على تعاقد صريح حول البرامج وتصور الحزب للمجتمع ومآله، بل على التعاهد وقراءة الفاتحة وتقاسم الطعام. هكذا كان يؤسس الانتماء ليدوم ولا يفُك موثقه إلا موت المناضل أو موت الزعيم. في حين تدوم الانتماءات الحزبية والولاءات السياسية الآن زمن الحملة الانتخابية وإن أُسست على العهود والمواثيق والولائم.
تمسك عمي غازي بانتمائه الحزبي وبولائه لزعيم حزب الشورى حتى آخر رمق من حياته، وفاء للعهد وللموثق المقدس الذي قطعه على نفسه وإن كان لا يفقه شيء عن برامج الخزب ومواقفه وتصوره لمغرب ما بعد الاستقلال. وكذلك كان حال العديد من مناضلي الأحزاب الأخرى، لقد عاش عمي عقا وبلمختار وآيت أوديش وماتوا على عهدهم لحزب الاستقلال ولزعيمهم علال الفاسي. وعاش عقا أومشان ومولاي المامون وماتوا على عهدهم للمهدي بن بركة.
الولاء للزعيم بنبركة
بلقباب معنى أصيل للالتزام والنضال السياسيين. فجميل أن يعلمنا التاريخ ويخبرنا الماضي عن الصورة المشرقة لمعنى الإيمان بالقضية. وأجمل أن نستلهم من ماضينا ما به يمكن أن نسترجع بريق صورة رجل السياسة التي أصابها الصدئ. و لعل من الدروس التي حفظها لنا التاريخ ما طبع حياة رجالات من طينة، عمي علي عشاق و الحاج عقى أومشان و مولاي المامون الشريف و السايح الشوهبي… بل منهم من ابتلي حمقهم بالحصرة على تهافت السياسة، كعمي غازي بويغيال، وغيرهم كثير من رجالات لقباب…
صحيح أن سياسيي الماضي ما نهلوا من ينابيع العلم إلا ما قد نذر، ولا من لاأخلاقية السياسة شيء. لكنهم تشربوا من العشق ما جعل حب الوطن لديهم ركنا من أركان الإيمان. فما جمعوا قط بين مبادئ مهنهم ومبادئ السياسة، فلا الربح حفزهم ولا الخسارة أثنتهم. بل صون الكرامة وحفظ الشرف والولاء للعهد والثبات على المبدأ هو ما جعلهم دروسا وعبرا. صحيح أن هذه لم تكن ولم تعد معاول أهل السياسة. نعم لم يكونوا سياسيين بالمعنى الحديث للسياسة بل كانوا سذجا سذاجة الجبال التي أنجبتهم. فلسذاجتهم ما جعلهم كالحجارة لا يجدون عن الالتزام بديلا فلقوا الله راضين مرضيين. 
الرفاقية بين “أومشان” و” مولاي المامون”
أرسى الأول هيبته، في مخيلتي كصبي و كمراهق، على مظهره و شخصيته التي توحي بالوقار والسداد حتى في صمته. لم يبق من نضاله ومن تاريخ حركيته السياسية إلا وقاره وهدوؤه. ولم يبق من زعامته الجماهيرية إلا انعزاله وصمته. و كأن لسان حاله يقول “ليس في الآن مع من يمكن تحقيق ما كان سيؤول إليه المآل”. رجل وقور، لم يكن في هيئته ما قد يوحي بصخبه السياسي. بحيث نادرا ما كنت أصادفه رفقة جليس أو مؤنس إلا “مولاي المامون الشريف”. آخر الرفاق الذين حافظوا على العهد الذي عقداه مع المهدي بنبركة.
دكانه يتوسط قرية لقباب. دكان بسيط به بعض الأقمشة مرفوفة بطريقة من لا يهمه جلب الزبائن. رجل مستور الحال جعل من دكانه ملجأ يطل من خلاله على الحياة وعلى المارة في الشارع الرئيسي للقباب، هربا من سياسة أهل الحال ليس إلا. كلما مررت على دكانه و أنا عائد من المدرسة، أجده منتصب القوام جالسا على ” هيضورته” البيضاء. يشبه في جلسته وفي هدوئه ولباسه الأنيق ولحيته البيضاء، وليا صالحا. ولو صادفته ليلا لحسبته مرسولا من عوالم أخرى…
في أحداث ملوية ” ثين ملويت “، كان الحاج عقى من المفاوضين الأساسيين “للجنرال لوبلان”، إلى جانب فريق يضم حوالي ثلاثين فردا من أهالي لقباب. منهم، موحى أويوسف الخطابي مولاي علي بن الصديق، السايح الشهبي، رحو أوعقى، بن موحند أو عبد لشريم… فاعتقل هو وكل من معه حين رفضوا رفع الإضراب والتخلي عن مطلب تنحية القائد آنذاك. فمنهم من ذاق وبال سجن بودنيب ومنهم من نقل إلى سجون مكناس وسيدي علي بنحمدوش. فكان ذلك، فيما بلغني، أول لقاء “للحاج عقى” بسجون الاستعمار قبل سجون الاستقلال. 
وأما رفيق دربه في النضال، “مولاي المامون الشريف” فهو من شرفاء “تاسكارت” كما يدل اسمه. علقت ذكراه لدي بشاحنة صفراء من نوع 6Berliet . شاحنة كنا نسميها “الشركة” لأنها كانت في ملك مجموعة من بائعي الكتان ومنهم السيد الوالد تغمده الله بواسع رحمته. كان “مولاي المامون ” من بين من تعاقب على سياقتها. ينقل على متنها “السواقة” طيلة أيام الأسبوع ما عدى يوم الجمعة. أيام كان لقباب المركز التجاري الذي يزود كل مراكز المنطقة بمختلف السلع و المنتوجات.
لم يكن في هيئة ورصانة، “مولاي المامون” ما يدل على ماضيه المثخن بالهموم ونكسات السياسية وذكريات الاعتقال. كان رحمه الله رفيق درب الحاج عقى والمهدي بنبركة. ومن القلائل الذين دعوا في لقباب إلى مقاطعة أول استفتاء عرفه تاريخ المغرب. خضوعا والتزاما بالاختيار السياسي لحزبه و لزعيمه المهدي بنبركة. في زمان كانت فيه كلمة “لا” جرما وإثما كبيرا. فالامتثال للمركزية الحزبية واجب رغم تهديد المخزن وعربدة مليشيات الحزب القوي.
كان كلما حل المهدي بنبركة، بلقباب ينزل في ضيافة رفاقه. وخلال حملة الحزب لمقاطعة الاستفتاء لم يجد المناضلون، منصة يلقي من عليائها الزعيم خطابه أمام مؤيدي الحزب من سكان لقباب إلا ” طارو دلكربون”. فآنذاك كان ” الكاربون” أو ” الكربيل” سلعة رائجة فبه تضاء ليالي السواد الأعظم من المنازل و الحوانيت و الخيام. صحيح أن المنصات الخطابية للزعماء السياسيين في تلك الفترة لم تكن كما نعهدها الآن، لكن للواقعة دلالتها. بروتوكول لم ينصب على مقاس الزعيم بل جعل الزعيم يعاين في الهامش ما تخفيه مقرات المركز.
“أسطورة لمدفرو” وحكاية الرحلة الأخيرة
من البحيرات الجميلة بمنطقة لقباب بالمكان المسمى تيمضغاس ” بحيرة لمدفرو”. بحيرة جميلة لا يؤمها إلا قلة من عشاق الخلوة والسمك. بحيرة يعلوها سفح جبل شاهق يحمل نفس الاسم. قرب فج ” إيمي نتانوت أوفيلال” الذي يربط الجبل بهضاب ملوية العليا ثم الصحراء وبلاد غريس على الطريق الوطنية ثلاثة وثلاثون. قد يخال الزائر أن الاسم دعوة لممارسة رياضة الطيران الشراعي. “لمد إفرو” بلسان العرب “تعلم الطيران” اسم جميل تحمله أساطير لقباب على مطار يتعلم فيه الشيوخ فنون التحليق والخلاص.
“تعلم الطيران” عنوان لأسطورة موغلة في تاريخ المنطقة. لربما قبل زمان الإسلام وغزو أمراء بني أمية لبلاد كسيلة. فكيف تصمد الأساطير وتحفظها الذاكرة وتنقلها الجدات للأحفاد، في مجتمع أصبح يعتبر ذلك كفرا وجحودا؟ تروي الأسطورة خبر توديع الآباء والشيوخ على مدرج ذلك المطار الشاهق. مطار يزف فيه الأبناء بشرى لقاء الآباء والشيوخ بعوالم ما بعد الدنيا وجنانها. فحين يبلغ أحد الوالدين من الكبر عتيا، وحين لا يقوى على الحركة وحين يصبح عبأ على بهائم الترحال شتاء نحو أزغار وربيعا نحو الجبل، يهبه الأبناء الراحة الأبدية والسكينة الدائمة.
طريف ألا تحتكر ثقافة الجبل هذا الطقس الجنائزي الرهيب دون غيرها من ثقافات الأقوام والأمصار. ففي بلاد ” الشمس المشرقة” ” le soleil Levant ” ما يشبه هذا، ويسمونه “الرحلة الأخيرة“. “Le dernier voyage ” هو عنوان فيلم نعم، لكنه يحكي أسطورة متجذرة في ثقافة أهل اليابان. فما أغرب أن يكون هناك ما يجتمع حوله العباد في مشرق الأرض ومغربها. وإن لم يكن أهل اليابان، حسب علمي، رحلا كأسلافنا. يتهيأ شيوخ بلاد الشمس المشرقة لأيام بل لشهور، في خشوع وجلال “للسفر الأخير”. يعدون العدة ويجمعون ماعز من ذكريات الدنيا ويشدون الرحال إلى جبل “الرحلة الأخيرة”.
يرافق الابن الذكر شيخ اليابان في الرحلة الأخيرة، وكذلك أمر أسلافنا. فالابن الأكبر هو من له شرف المصاحبة الأخيرة. فلما يبلغا حافة الجرف يساعد الابن الشيخ على تعلم الطيران فيقول له في عبارة وداع أخيرة: “لمد إفرو”. فتكون الرحلة الأخيرة لكن ليس رحلة نجعة نحو أزغار وليس نحو الجبل بل نحو المروج الأبدية وسكينة الخلد. فيعود الابن وقد قام بواجب البنوة نحو الأبوة. لكن لحسن حظنا نحن ورثة هذا التاريخ، أن الأسطورة لم تنته بعد … لقد كانت نهاية الأسطورة على لسان شيخ رصين، فحين بلغ مبتغاه وأشرف على جرف مطار الرحلة الأخيرة، ابتسم فقال: ((هذا ما فعلته بأبي وهذا ما سيفعله بي ابني)). فتراجع الابن، لربما، ليس رأفة بشيخه بل خوفا على مصيره، وهذا ما لم تنقله لنا الأسطورة. فماذا تغير بعد هذا الفتح في وضعية الشيخوخة؟.
(°) فاعل مدني وجمعوي
error: